ميشيل عفلق

في سبيل البعث - الجزء الرابع


أزمة الحزب

 

ايها الرفاق(1)

أحب أن أوضح منذ بداية حديثي بأن حضوري هذه الجلسة وفي هذه الظروف العصيبة الحاسمة بعد مقاطعتي الواعية الواضحة لاجتماعات هذه القيادة منذ 8 أشهر أي منذ انتخاب هذه القيادة من المؤتمر القومي الثامن حتى الآن، أحب أن أوضح وأسجل بأن حضوري الآن هو من أجل أن أقول وأعيد ما قلته دوما في السنوات الثلاث الأخيرة بعد حركة آذار، وخاصة في المؤتمر القومي الثامن ثم في اجتماعات غير رسمية كنت أدعو إليها بعض الرفاق من هذه القيادة لأذكرهم بالحقائق التي تُستخلص من تجربة الحزب الطويلة ومن تجربة الحزب بعد الحركة ولكي نصل جميعا إلى تحليل عميق واقعي لأزمة الحزب وتتوحد آراؤنا على هذا التحليل لتنطلق منه إلى سبيل المعالجة والانقاذ، ولكي يتحمل كل منا مسؤوليته التاريخية. وقد كانت - وما تزال- لي أسباب جدية وفي غاية الجدية لمقاطعة اجتماعات القيادة رغم اعتقادي بأن للقيادة القومية دورا خطيرا في حياة الحزب وفي حياة الأمة العربية، ورغم روابط الأخوة والصداقة والزمالة التي تربطني بكل عضو فيها. وأنا أعتبر دوماً وقلت ذلك في مناسبات عديدة وفي مؤتمرات قومية وفي اجتماعات قيادية كثيرة خلال سنين طويلة، اعتبرت بأن القيادة القومية لحزبنا تجسد الحزب كله، تجسد أهم ما في حزبنا من صفات ثورية، ولذلك فقد كانت دوماً موقع الهجوم والمحاربة. وكنت أقول في كثير من المناسبات بأن القيادة القومية للحزب هي القيادة الوحيدة، ليس بعدها من قيادة، لأن حزب البعث هو للوطن العربي كله، لقضية الثورة العربية كلها. والقيادة الوحيدة التي تمثل هذا الشيء هي القيادة القومية بنظرتها، بمنطقها، بتكوينها القومي، والقيادات الأخرى لا تكون قيادات إلا بمقدار ما تستجيب لتوجيهات القيادة القومية، وبمقدار ما تخضع لسلطة القيادة القومية والطريق الذي تسنه القيادة القومية. هذا من حيث المبدأ، وان كنت وإياكم نعلم جميعا بأن واقع القيادة القومية لم يبلغ لا في الماضي ولا في الحاضر هذا المستوى الذي يؤهلها تماما لحمل هذه المسؤوليات التاريخية، فان واجب الحزب أن يرتفع بمستوى قيادته العليا باستمرار لكي تقترب من الشروط المثالية. إلا أن كون واقع القيادة القومية ما زال منذ أن وجدت حتى الآن، دون المستوى المطلوب لمسؤولياتها التاريخية فذلك لا يعني مطلقا بأن دورها وسلطتها يجوز أن ينتقص منها. اذ لا بد لهذا الحزب من قيادة ومن سلطة وإلا ضاعت القيم والمقاييس وانحل الحزب إلى فوضى عندما تنعدم القيادة أو توضع سلطتها موضع التشكيك.

 

أيها الرفاق

لقد قاطعت جلسات القيادة القومية، وقبل مقاطعة هذه الجلسات وقبل انتخاب هذه القيادة، تعرفون بأني في المؤتمر القومي الثامن لا بل قبله بزمن، صممت على الانسحاب من المسؤولية الرسمية في قيادة الحزب وطرحت ذلك أمام المؤتمر القومي، ولكن بفعل جو عاطفي لم يتمكن المؤتمر أن يستوعب تماما الأسباب والمقاصد التي دعتني إلى ذلك الموقف فأصر المؤتمر على ترشيحي، ولكني اعتبرت نفسي منذ ذلك الحين منسحباً. وكان ثمة بعض الاحتمال بأن أعيد النظر في هذا الموقف وأن أحضر بعض الجلسات الهامة لولا أني لاحظت منذ البدء أن ثمة فروقا أساسية بين تفكيري في معالجة أزمة الحزب وبين تفكير مجمل القيادة. فقلت لن أكرر الخطأ الماضي ولن أفسر قناعتي ولن أسمح بأن تأخذ قواعد الحزب صورة خاطئة وانطباعاً خادعاً او مخدراً عندما يسمعون بأنني مازلت في القيادة واحضر اجتماعاتها، وأنا إنما أردت من انسحابي في المؤتمر الثامن، أن أنبه هذه القواعد إلى أخطار جسيمة تهدد وجود الحزب ومصير الثورة العربية، عندما يتهدد وجود حزب البعث. ولا أقول شيئا جديداً عليكم أو مجهولا لديكم عندما أقول بأن تصميمي على الانسحاب، هذا التصميم النهائي، كان على أثر الأزمة التي نشأت منذ عام عندما طرحت القيادة القومية أزمة الحزب لتجد لها الحلول الجذرية، فقوبلت بالتمرد من قبل القيادة القطرية الممثلة للسلطة، فطُعن بذلك شيء ثمين لا يقدر بثمن في حياة هذا الحزب، طعنت قيمة كبرى لأن القيادة القومية هي القيادة الوحيدة.

ولذلك كان لابد من موقف ينبه أعضاء الحزب القريبين والبعيدين إلى أهمية الشيء الذي حصل وإلى خطورة هذا الشيء والى الأضرار الفادحة التي تنجم عن طعن هيبة قيادة حزب البعث وسلطتها.

 

أيها الرفاق

أرجو أن تعذروني إذا أطلت والظرف لا يسمح بالإطالة، وأنا مقدر ذلك وسأحاول أن أضغط على نفسي وعلى هذه الذكريات والخواطر العديدة المتزاحمة في فكري لأبين لكم المأساة التي يعيشها حزبنا في السنوات الأخيرة متمثلة في المأساة الشخصية التي أعيشها أنا كأحد القادة الذين رافقوا هذا الحزب منذ نشوئه. ولذلك لن أعود إلى الماضي، وأعتمد على حسكم العميق وعلى تقديركم للمسؤولية لتدركوا وتشعروا بما كنت أشعر به وأعانيه منذ الأشهر الأولى التي مرت على الثورة ومنذ أن بدأت خيبة الأمل تظهر ويظهر الفارق الكبير بين حقيقة حزب البعث وبين التطبيق المشوه لأفكار ومبادئ وسياسة هذا الحزب في العراق أولاً ثم بعد حين في سورية. أعتقد بأن هذا العذاب هو أقسى ما يمكن أن يتعرض له الإنسان.

إنسان ملتزم بمبادئ، ناضل في سبيل هذه المبادئ ووضع عمره كله في معركة هذه المبادئ، أقسى عذاب يمكن أن يتعرض له هو عندما يرى التشويه الفظيع لأفكاره ومبادئه حتى يكاد ينكر أن هذا الحزب هو حزبه وان هذه الحركة هي حركته. وأصبنا بنكسة العراق رغم توقعنا لها قبل وقوعها بأشهر لأن التجربة والعقل السليم والمنطق الثوري، كانت هذه الأشياء كلها تؤكد بأن ثورة العراق كانت معرضة للانهيار.

وبعد ذلك انصب حرصنا كله على الثورة في سورية وصرنا نتعزى أن درساً في غاية القسوة، نادراً في التاريخ، تضيع ثورة كثورة رمضان في عشرة أشهر، أن درسا كهذا سيُنضج وعي البعثيين في كل مكان وخاصة في سورية حيث يتحملون مسؤولية الحكم. وان هذا الدرس سوف يجنبهم الكثير من الأخطاء وسوف يرتفع بنفوس القادة المسؤولين إلى مستوى المهمة التاريخية وسوف يطهرهم من الكثير الكثير من الأجواء والميول والمطامع الصغيرة التي لا تتناسب مع أهداف حركة كحركة البعث خاصة بعد أن منيت بذلك الفشل في العراق.

ولما لم يعط درس نكسة العراق الأثر المطلوب أخذ اليأس يتسرب ليستولي على نفوسنا وهناك وقائع مهما حاولت أن اصرف النظر عنها اختصاراً للوقت تلح علي فاعذروني اذا ذكرت بعض الأشياء.

لقد سافرت انا من هذا القطر، بتصميم على الابتعاد وقد فاتحت بعض رفاقي في هذا ومنهم من هم الآن في هذا الاجتماع ومع انني سعيت قبل سفري مع بقية الرفاق في القيادة وفي المجلس الوطني لتحسين الأوضاع نسبياً ووضعت كل ما عندي من طاقة ومن جهد وتأثير للخروج من وضع كان ميئوسا منه تقريباً عندما أمسى الحزب وحكم الحزب في عزلة رهيبة عند حوادث حماه وبعدها بقليل، فقد قلت لرفاقي قبل سفري أني يائس من هذا الوضع، وكلمة يائس لا تعني اني تخليت عن المسؤولية ولا تعني أن اليأس مطلق طبعاً. وأردت أن أنبه بذلك الابتعاد إلى خطورة الحالة، وقد قلت هذا لرفيقي منيف عندما زارني في ألمانيا موفدا من قبل القيادة القومية وهو يذكر كلماتي بلا شك، قلت له هذه التجربة أوصلتني إلى هذا الاقتناع وجعلتني، بعدما رأيته ولما لمسته خلال سنتين وأكثر من عقليات ومن مستوى في النفسية وفي المسؤولية، أخرج بنتيجة لا تحتمل المناقشة. لأن عليها ألف دليل ودليل، بأن هذا المستوى لا يمكن أن ينجح ثورة ولا نصف ثورة ومع ذلك عندما تحادثنا، قلت للرفيق منيف بأنه لا يمكن أن أتخلى عن الحزب، إنما قد أرجع لأموت مع رفاقي، وهذا واجب وهذا شرف. بعد أن بقيت مدة كافية لتشعر قواعد الحزب بأن هنالك خللاً كبيراً استوجب أن يبتعد هذا الشخص الذي لا يدعي فضلا على الحزب منذ اليوم الأول لنشوئه، ولم أصمم على العودة إلا بعد أن كتب لي الرفاق، ثم ذهب الرفيق شبلي ليؤكد لي بأن القيادة القومية اقتنعت بوجهة نظري وبأن الأزمة يجب أن تطرح وأن تعالج بصراحة، بروح جدية لا بأنصاف حلول ولا بالمسايرة وتجاهل الواقع، ذلك لأنني مضطر أن أسجل بهذه المناسبة بأني عندما سافرت لم تكن القيادة القومية متجاوبة معي ولم تكن متحسسة بالخطر بنفس الدرجة التي كنت أنا أشعر بها.

ثم كانت النتائج التي تعرفونها، واتخذ الحكم على أثر تلك الأزمة خطوة جيدة مباركة في طريق تطبيق الاشتراكية عندما أصدر قرارات التأميم. فتفاءلنا بالنتائج ولم نتفاءل بالمقاصد. وقلت هذا في اجتماع القيادة القومية -والكلمات مسجلة- قلت بأن الخطوة جيدة ومباركة وندعمها بكل قوتنا، وليس لنا خيار في ذلك طالما أن هذه القرارات أيقظت العداء لدى أعداء الحزب والاشتراكية، فإذن لا بد للحزب بكامل صفوفه أن يدخل المعركة ويحارب ويدافع، ولكن هناك خطراً من نوع آخر لا يجوز أن نغطيه، هنالك مرض مستتر، فهذه الخطوات لم تتخذ اقتناعاً بالاشتراكية وإيمانا بمبادئ الحزب وضرورة تطبيقها، بقدر ما كان فيها من المناورة لتغطية أزمة. ونرى بأن مفعول القرارات لم يدم أكثر من أشهر وان الأوضاع عادت إلى التردي وبشكل أخطر بكثير من السابق.

 

أيها الرفاق

حزب البعث عندما ظهر وعندما أخذت فكرته تنتشر وتتكامل بالتفاعل مع الأحداث ومع النضال كانت أهم فكرة منذ البداية هي فكرة الثورية وأهم شيء في الثورية كما عرفها حزب البعث منذ السنة الأولى ومنذ الكتابات الأولى بأنها الصدق والصراحة والأخلاقية، لأننا كنا قبل أن نصمم ونعقد العزم على تأسيس الحركة، كنا نعيش في بلادنا وكنا داخلين المعركة وكنا نعرف أن بين السياسيين والزعماء الذين كانوا يرسمون السياسة والنضال الوطني قبل تأسيس حركتنا بعشر سنوات وبعشرين سنة، كان بينهم اذكياء وافذاذ ولكنهم كانوا يفتقدون تلك الميزة. يفتقدون الاخلاقية والتجاوب مع الشعب ويفتقدون الثقة بالشعب لأنهم لم يكونوا من الشعب وبالتالي لم يكونوا يحترمونه ويصدقونه. لم يكونوا ينتظرون منه شيئاً كبيراً فكانوا يلجأون إلى المناورات وأساليب السياسة الملتوية وكان حزب البعث بظهوره رداً على تلك العهود البالية وعلى تلك العقليات وتلك النظريات الهرمة اليائسة. وبهذه الميزة استطاع حزب البعث أن يشق طريقه إلى قلوب ابناء هذا الشعب حتى انتشر في اكثر اقطار العروبة من بداية في غاية البساطة والتواضع إلى تاريخ طويل أصبح جزءاً من تاريخ امتنا. فكيف يتردى هذا الحزب وكيف ينقلب إلى الصورة التي نشاهدها والتي هي نقيض تلك السمات وتلك الصفات والمميزات التي اتصف بها حزبنا، صورة الأساليب المصطنعة، الأساليب القائمة على المناورة وعلى تشويه الحقائق والاختلاق والافتراء والتضليل واستعمال كل شيء إلا الصدق وإلا الصراحة وإلا احترام المبادئ وإلا احترام الشعب لا يمكن في يوم من الأيام أن يقبل هذه الأساليب وان خضع لها اضطراراً فترة قصيرة من الزمن.

أعود لأقول أيها الاخوان بأن الميزة الأولى التي ظهرت في حزب البعث من السنة الاولى ومنذ الكتابات الاولى، منذ التماس الاول مع الشعب ومع المسؤولية التاريخية التي ندب البعث نفسه لها، هذه الميزة الأخلاقية الميزة الثورية، هذه الميزة ليست للزينة وانها لم توضع لكي يقال بأن هذا الحزب أخلاقي وبأن أعضاء هذا الحزب طيبون وشرفاء بل كانت هذه الميزة شرط النجاح. وقد كان الحزب واقعياً عندما وصف فكرته ووصف نضاله منذ البداية بهذه الشروط وبهذه الأوصاف لأن أمة كالأمة العربية عانت ما عانته من عصور الانحطاط مئات السنين وهي صاحبة رسالة وتريد أن تنهض، فيجب أن تكون نهضتها أصيلة وعميقة وشاملة ولم تعد ترضى بالحلول الوسط وبالترقيع. فاذن لا بد أن تتمكن الحركة التي تندب نفسها لمهمة الثورة أن تصل إلى نفس كل عربي وإلى أعماق الشعب العربي لكي تحرك طاقات هذا الشعب لكي يضع هذا الشعب جميع إمكانياته في المعركة لأن معركته صعبة للغاية وتكاد تكون مستحيلة لكثرة ما يعترضها من مصاعب وعراقيل ومن أعداء كثيرين وأشداء. فالأخلاقية والصدق والصراحة في منطق حزبنا هي شيء واحد وهي شرط النجاح وهي شرط لكي يُقبِل الشعب على النضال ولكي يبني الثورة بسواعده.

وعندما كنا نعترض ونستنكر وننبه ونحذر خلال هذه السنوات الثلاث، نحذر من أساليب التزييف والتخطيط الجهنمي الصبياني في آن واحد، بأنه يلعب بحركة لها عشرون سنة من النضال، قبل حركة آذار لها تاريخ، لها جسم حي، استطاع أن يعيش عشرين سنة، يلعب بها وكأنها حيوان في مختبر التشريح: تشرح وتمزق وتقطع وتوصل. لم يكن احتجاجنا واعتراضنا وتحذيرنا لألم شخصي عند أولئك الذين نالهم التجريح والافتراء.

كلا أيها الاخوان. كان الاعتراض بأن هذه الأساليب سوف تدمر الثورة والحزب. فلان وفلان من قادة الحزب القدامى وصلوا إلى سن متقدمة نسبياً وقد يكونون قد أعطوا ما عندهم وقد يكونون أصبحوا من الماضي. هذا لا يهم. فالأمة العربية ليست عقيمة وتستطيع كل يوم أن تنجب من هم أحسن بكثير، ولكن المهم هو هذا الاستدلال الذي استدللناه من هذه الأساليب.

استدللنا بأن الذين يمارسونها والذين هم في السلطة والذين أصبحوا في قيادات الحزب لا يمكن أن يكونوا حاملين لهذه الرسالة قادرين على الاضطلاع بها وعلى إنجاحها، قادرين على اكتساب ثقة الشعب لان هذه الاساليب بعيدة كل البعد عن جو الحزب وعن منطق الشعب وروح الشعب. فكنا باستنكارنا نعرب عن قلقنا وخوفنا على الثورة وعلى الحزب لا عن خوفنا وقلقنا على أشخاصنا.

وبالحيل والمناورات والمخططات والطبخات التي تطبخ بين اربعة وخمسة اشخاص في الظلام، في غرفة، وصل الحزب إلى هذه النتائج. كنا في فترة من فترات ومراحل الثورة نريد أن نتفاءل ونقول هذه آخر الصعوبات والحكم سوف ينطلق وكل حكم مر بمصاعب ومر بعثرات ولكن أما آن لنا أن نفهم وأن ندرك بأن المرض اخطر من ذلك بكثير؟

ليس هذا هو مرض الثورات. وليس هذا ما مرت به الثورات الناجحة والخلاقة. هذا مرض الثورات التي تموت لأنها خانت ذاتها وخانت مبادئها وأنكرت روحها ولم تكن هذه الصعوبات التي مرت بها نكسات عارضة. وإنما تمشي في خط بياني صاعد باستفحال متزايد وكأنه المرض العضال الذي يفتك بالجسم.

وصلنا من هذه الشطارات والبراعات الخارقة انه في هذه السنة تأتي قيادة قطرية لحزب البعث الحاكم، قسم منها انتسب للحزب بعد حركة آذار بزمن ومعظم أفرادها من تكتل مدان من الحزب قبل ثلاث سنوات. قامت حركة آذار ضد مبادئ هذا التكتل وضد عقلية هذا التكتل، وضد منطق هذا التكتل. بصرف النظر عن هؤلاء الأفراد الذين أقدر لهم عملهم الماضي، ولكن هناك واقع كيف نتهرب منه، الواقع هو أن هذه الكتلة انحرفت بسبب من الأسباب، بعقدة من العقد، لعقلية متخلفة ليس الآن مجال تحليلها، ولكنها في وقت الانفصال وقفت مواقف ضد ما اختاره وأراده ووصل إليه حزب البعث في جميع الاقطار العربية، كما ظهر ذلك في مؤتمراته القومية. وإذا بهؤلاء الرفاق يصلون نتيجة هذه الشطارات في التخطيط وفي اللعب بالنظام وفي الاحتيال على النظام وعلى الحزب، يصلون في سنة 1965 إلى السيطرة شبه التامة على الحزب وعلى الحكم دون أن يعملوا نقدا ذاتيا او يتراجعوا عن خطأ او يعترفوا بخطأ او يتعهدوا بتصحيح انحراف بل على العكس جاءوا بافكارهم القديمة وأكاد اقول بأحقاد واهواء قديمة ايضا -وهذا مؤسف- ليدينوا الحزب بماضيه الطويل، ليخطئوا مؤتمراته القومية ويخطئوا الحزب في جميع الأقطار العربية، كما تمثلت إرادته في مؤتمرات قومية ولتتناقض حركة آذار هذا التناقض العجيب الذي يفضح إلى أي حد بلغ التزييف وبلغ قصر النظر وبلغ البعد عن الواقع بأن يظهر بأن الحزب يمكن أن يلعب به بهذا الشكل.

وأعود لاقول انه ليس بيني وبين هؤلاء الأفراد، على الأقل من جهتي، إلا كل مودة. ولكن الحزب أغلى من الجميع، وواجبي أن أشير إلى هذا التناقض الذي يكشف عن خطورة المرض.

وكنا نعلم أيها الرفاق بأن هناك سلاحا أصبح مفلولا لا بل سقيما هو سلاح الشرعية والنظام الداخلي. وقد ضاعت انتفاضة العراق لتوهم أولئك الشباب الذين لم يكونوا في مستوى المسؤولية، لتوهمهم بأنهم بهذا السلاح يمكن أن يفعلوا الأخطاء الجسيمة دون أن ينتبهوا إلى أن للحزب قواعد وجماهير وأن هناك شعبا يحاسب ويدقق وأنه لا يهمه النظام الداخلي او شيء من هذا القبيل وإنما تهمه الأعمال والتصرفات والنتائج. لقد وصلوا بأخطائهم وارتكاباتهم إلى حد أنهم عزلوا الحزب عن الشعب، وهو الحزب الشعبي في العراق، وكانوا يظنون أن المعركة فقط بين 20 25 50 يجتمعون في مؤتمر قطري. خمسة وعشرون هنا يتآمرون أو يناورون على الخمسة والعشرين الآخرين، أو عشرين على الخمسة والعشرين الآخرين، أو عشرين على ثلاثين، بما سميته أنا في المؤتمر القومي السادس حرفة استغلال النظام الداخلي، عندما كشفت عن هذه الأساليب وأخطارها قبل حدوث النكسة بشهر في المؤتمر القومي السادس. فكان همهم أن يربحوا على رفاقهم في غرفة تضم مؤتمراً من أربعين من خمسين وينسون الملايين من البشر وينسون 7 أو 8 ملايين من الشعب العربي في العراق وينسون الألوف من قواعد الحزب.

في حوادث أمس قيل بأن هذا تطبيق للنظام الداخلي، لقد أحزنني هذا الحادث للغاية لان أشياء كثيرة تحدث هي تكرار لمأساة الحزب في العراق. فمن يصدق بأن ما جرى من اعتقال لهذا الضابط هو تطبيق للنظام الداخلي وغيرة على الحزب والجيش.

في حوادث حمص أمس، قيل بأن هذا تطبيق للنظام الداخلي، لقد قيل هذا والبلاد حبلى بهذه الأزمة، وكل يوم يزيد حجمها والناس يرون ذلك ويشعرون به. ونأتي لنقول بأننا نريد تطبيق النظام الداخلي. كلا أيها الإخوة أمامنا مسؤوليات تاريخية، أمامنا التاريخ، أمامنا شعب، أمامنا بشر قد يتعرضون للذبح للقتل، وأمامنا قضية، وأمامنا هذا الحزب الذي له ماض وله تاريخ وله تضحيات كثيرة وأصبحت حياتنا وأسماؤنا مقرونة به. كيف يمكن أن نغالط في مثل هذه الظروف التاريخية؟ كيف يمكن أن نتجاهل؟ أن نبقى على سطح الأشياء ونرفض النطق بالحقائق العميقة لأننا أمام التاريخ، أمام الله، في مثل هذه الظروف، هو صراع على السلطة إذن. هذه الشرعية وهذا التذرع بالنظام الداخلي الذي نسمع به منذ مجيء القيادة القطرية الحالية حتى الآن، كيف يمكن أن نصغي إليه دقيقة واحدة ونحن نعلم بأن هذه القيادة هي التي مزقت شرعية هذا الحزب؟ وداست شرعية هذا الحزب. بدون أن أسيء إلى أحد، أبدا بدون أن أنتقص من أخلاص احد او أن أقلل من محبتي للجميع. كلا أيها الاخوان لا أقصد الا الظواهر.. الظواهر تدل بأن هذه القيادة التي تجمع في معظمها كما ذكرت كتلة كانت مدانة من الحزب قبل ثلاث سنوات، تتحكم اليوم بهذا الحزب وبهذا القطر ثم تنادي بالشرعية وهي التي مزقت شرعية عشرين سنة وتاريخ عشرين سنة. لا مجال للمماحكة في هذا المضمار، لنصل رأساً إلى الحقائق إلى الاعماق بدون تذرع بمثل هذه الحجج.

 

أيها الاخوان

لي وضع خاص بهذا الحزب ومن هذا الوضع الخاص أنطلق، وهو معروف وليس مجهول، كنت دوما وخاصة كلما تقدمت بي السن وتقدم النضال في هذا الحزب ازداد بعداً عن كل ما يتعلق بالمصالح او المراكز وأي شيء من هذا القبيل. وهذا ما جعلني أنظر إلى الجميع بالتساوي وبالمحبة وانظر بتجرد. لو كنت مقتنعا بعض القناعة بأن هذه الأساليب يمكن أن ينجح معها الحكم لما توقفت كثيراً لأني أنظر إلى أعضاء هذا الحزب نظرة واحدة. لو كنت مقتنعا بأن الاخوان الذين هم الآن في القيادة القطرية او في الحكم او في مناصب المسؤولية يمكن أن ينجح الحكم على أيديهم وان يقوم الحزب، (لان الحكم بدون حزب لا يبقى أشهرا معدودة)، لو كنت مقتنعا بهذا لما توقفت عند هذه الحلول ولما أسهبت ولما فصّلت، لكن قناعتي بأن الحزب يتهدم وأن الحكم يكاد يكون منتهياً وأنه بالتالي لا مجال للحلول الوسط. لا مجال للترقيع، لا ينقذ الوضع الا الحل الثوري الحاسم، لا حباً بالثورية وجريا على الزيّ الرائج هذه الايام، كلا بل لأن الحل الثوري وحده يمكن أن ينقذ (وقد لا ينقذ الوضع). أما التسويات والترقيعات فهي حتماً ستنهي الحكم والحزب في أقرب وقت، بعد أن فقد الشعب ثقته بالحزب وبحكم الحزب، بعد أن فقد الشعب العربي في الاقطار الأخرى وإلى درجة أكبر ثقته بالحزب وبحكم الحزب، ثم بعد أن فقد أعضاء الحزب الثقة بحزبهم وبأنفسهم. لا يجدي الا الحل الذي يعيد الثقة إلى النفوس، الا الحل الذي يكون بالفعل بداية جديدة للحزب والحكم والذي تطبق فيه المقاييس الثورية الصارمة والسليمة المنصفة، وألا تكون معالجة للتخدير لأسبوع، لأسابيع، لأشهر، ولا أكثر من بضعة اشهر. وقد تكون لأسابيع، وقد تكون أقل، وهذا ما يشعر به كل منا وبما يقوله ضمير كل منا.

لذلك جئت إلى هذه الجلسة لأقول رأيي بهذه الصراحة: أذكرّ كل رفيق منكم بمسؤوليته في هذا الظرف التاريخي، ولكي أشهد على موقف كل رفيق منكم، تاريخ ربع قرن من نضال حزب البعث، وتاريخ الأمة العربية، في هذه الظروف لا يجدي إلا التجرد، لا ينقذ الوضع إلا بضعة متجردين يسمون فوق كل الاعتبارات والأهواء والمصالح، وبجب أن يوجد أكثر من بضعة أفراد في هذا المستوى في حزب البعث.

يجب أن تتحمل القيادة القومية مسؤولياتها التاريخية، يجب أن لا تتكرر مأساة العراق يجب أن لا يضيع أمل الأمة العربية بهذه الحركة فتكون نكسة قد تدوم عشرات السنين.

القيادة القومية، حتى في واقعها النسبي، تستطيع أن ترتفع إلى مستوى المسؤولية التاريخية إذا أرادت وصممت وهي وجدها التي تستطيع ان تأتي بالحل وتنقذ الوضع وأن تعيد للحزب حرمته وأمل أعضائه وبالتالي أمل الشعب به، بأن تتقدم بالحل الثوري الكامل إذا أمكن وأن تدين الذين استخفوا واستهتروا وارتكبوا هذه الاخطاء القتالة. استخفوا بالحزب وتاريخ الحزب واستخفوا بالشعب وبتجربة الشعب وبروح الشعب واستخفوا بالعالم كله ومقاييس الثورات وبتجارب الامم واستخفوا بذلك كله وبنوا بناء مصطنعاً لا يصمد للهزات وليس فيه إلا السلبية. في قناعتي بأن القيادة القومية هي وحدها التي يجب أن تستلم المسؤولية في هذا الظرف الخطير وأن تحل القيادة القطرية، وان تزيح المسؤولين دون تهاون ودون تسوية ودون إبطاء، لان تمييع الموقف هو لصالح الفوضى ولصالح اعداء الحزب. وكلنا يعرف بأننا محاطون بشتى الإخطار وبالكثير من الأعداء حول سورية وما زال في داخل سورية للأعداء عملاء وما تزال لهم ركائز. وفي داخل الحزب قد يكون لهم، لأن التشويه الذي طرأ على الحزب من الصعب جدا بأن نقتنع بأن الايدي الاجنبية لم تسهم فيه.

 

أيها الرفاق

قد يخرج الخلاص من اليأس. في الحزب الآن حالة تَنَبّه هي شيء جديد إلى ماضي تلك السنوات الثلاث: تَنَبُه ووعي واستعداد للتصحيح والبدء من جديد لبناء الحزب والثورة مع شيء كثير من اليأس والخوف والقلق. يجب أن يكون موقف القيادة القومية والحل الذي تأتي به والخطوات التي ستباشرها موقظاً ومشجعاً لهذه الامكانيات الخيرة ولهذه الظاهرة الجديدة التي تبعث على الأمل.

ظاهرة التنبه والوعي، ظاهرة الغيرة على حزب له رسالة وله ماض ويجب أن يبقى له مستقبل. ولا يجوز أن يكون في موقف القيادة القومية من التردد او الفتور وأنصاف الحلول ما يغذي في نفوس قواعد الحزب الاستعدادات الانهزامية أو حالات اليأس والشك بل يجب أن تغذى وتقوى فيها هذه البادرة للعمل من جديد لتدارك الموقف قبل فوات الوقت لإنقاذ الحزب وإنقاذ رسالته. ويجب أن يتغلب الأمل والايمان على اليأس وهذا ما أتيت لأسجله واذكّر به رفاقي، لا لأني احسب أنهم لاهون عن ذلك او أنهم لا يتذكرون واجباتهم ومسؤولياتهم، كلا، فان لهم في نفسي كل الاحترام وكل المحبة، وإنما لأبرئ ضميري وأقول الكلمة الحقة الصريحة في هذا الموقف التاريخي. ولن أتخلى عن الحزب ولن أدخر جهداً في سبيل هذا الحزب حتى لو اقتضى الأمر أن أقدم دمي، وهذا شيء بسيط كما تعرفون، وانقطاعي عن الاجتماعات لا يعني انقطاعي عن العمل وعن الاستعداد الدائم من اجل خدمة الحزب والتضحية في سبيله.

19 كانون الاول 1965

(1) كلمة في اجتماع القيادة القومية بتاريخ 19 كانون الأول 1965

 

 

الصفحة الرئيسية للجزء الرابع