ميشيل عفلق

في سبيل البعث - الجزء الرابع


في عيد الجلاء

 

قد يتساءل كثير من الشباب العربي المؤمن بقضية أمته كوحدة لا تتجزأ(1): هل يجوز أن نفرح بهذه الخطوة التي حققها العرب في جزء صغير من وطنهم الأكبر؟ هل يجوز أن نفرح وثمة ملايين العرب يقاسون من الإستعمار الأجنبي، ومنها ما يهددهم، الإستعمار في صميم عروبته ووجوده؟

اجل إن لنا ملء الحق بان نفرح بهذه الخطوة المباركة التي حققناها في سوريا، وبكل خطوة يخطوها العرب نحو أهدافهم القومية في أي جزء من أجزاء أرضهم وفي أية ناحية من نواحي حياتهم. إن المناضلين أولى الناس بالفرح، لان الفرح ينعش فيهم قوى النضال ويجددها ويحفزها إلى الاستمرار والتكامل.

نفرح بالرغم من آلامنا الكثيرة العميقة، لان الفرح ليس نقيض الألم بل هو ثمرته الصادقة الطيبة. والمناضلون الصادقون هم الذين يحولون ألَمَهم إلى فرح منعش لنضالهم. والفرح كالألم بل أكثر من الألم، لا يشعر به ويقوى على تحمله إلا النفوس القوية العميقة.

إن ألمنا لم يعني في يوم من الأيام الحزن والكآبة، كما إن فرحنا لن يعني الرخاوة والقناعة. ما دام لنا هذا الشعار: "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"، فإننا لن نخشى أن ينسينا الجلاء عن سوريا واجبنا نحو أقطارنا العربية الأخرى التي لم تتحرر بعد، في المشرق والمغرب، ولن نخشى أن يلهينا التقدم السطحي الجزئي عن حقيقة المهمة التي أهّلنا القدر لحملها، وهي أن نسعى لتحقيق النهضة العميقة الشاملة التي تجدر بأمة عظيمة كأمتنا لها رسالة تؤديها إلى الإنسانية.

إن شعار "البعث العربي"، ليس ألفاظا فارغة مرصوفة، بل حقيقة راهنة حية، فالإيمان بوحدة الأمة العربية، في حاضرها وماضيها، هو الذي أتاح لسوريا أن تستقل وتجلي الأجنبي عن أرضها. وما كان لشعب سوريا أن يصمد لاستعمار غاشم، باغ عنيد، وان يقارعه ويتغلب عليه، لو لم تسنده وتنجده قوى الأمة العربية جمعاء. لقد كان يناضل ضد الإستعمار وهو يلتفت إلى إخوانه العرب في شتى أقطارهم الواسعة، يستمد منهم العون والتشجيع، ويتذكر آباءه وأجداده العرب القدماء يستلهمهم ويتغنى ببطولاتهم، وينظر بعين الرجاء إلى مستقبل أبنائه وأحفاده وقد ضمهم كيان عربي واحد تندحر أمام ضيائه ظلمات الحاضر المؤلم، وتحتقر إزاء روعته مصاعب اليوم ونكباته.

كما إن الإيمان بخلود الرسالة العربية هو الذي ينقذنا ويحمينا من الانخداع بتضليل الأجنبي وتمويه الفئات الوطنية الاستغلالية. وكلا الطرفين، الإستعمار الأجنبي والاستثمار الوطني، يحاولان بشتى الأساليب أن يقتلا طموح الشعب العربي ويغرياه بقبول أهداف ممسوخة، واتجاهات معكوسة في الوحدة والنهضة القوميتين.

فما دامت الرسالة العربية قبلتنا وغايتنا، لا يمكن أن نتساهل أو نتهاون في السعي إلى تحقيق الانقلاب العربي الذي سيجرف هذا الواقع الفاسد بقيادته النفعية العاجزة، وأوضاعه المريضة البالية. وهكذا تكون فرحتنا بالجلاء جد مختلفة عن فرحة الحاكمين المغرورين، الجاثمين على صدر الشعب بظلمهم واستثمارهم، البُعَداء عنه بروحهم ومصالحهم.

ليكن شعار "البعث العربي" إيمانا تنبض به عروقنا، وفكرا مبدعا يشرق من عقولنا، وعملا جارفا ينطلق من سواعدنا.

20 نيسان 1947

(1) الكلمة التي ألقاها عميد الحزب الأستاذ ميشيل عفلق في الاحتفال الذي أقامه حزب البعث العربي بذكرى جلاء القوات - الأجنبية الإستعمارية من سوريا في 20 نيسان 1947، وقد نشرت في جريدة " البعث "، العدد 155.

 

الصفحة الرئيسية للجزء الرابع