ميشيل عفلق

في سبيل البعث - الجزء الرابع


الدفاع عن العقيدة لا يكون إلا هجموما

 

منذ شهرين (1) انعقد مؤتمر الحزب القطري لسوريا وتناقش في أمور كثيرة تتعلق بسياسة الحزب وتنظيمه وخرج ببعض النتائج والقرارات الايجابية المفيدة. الا ان هذه المناقشات أظهرت مرة جديدة ما يشوب الثقافة الحزبية والعمل الحزبي من نقص وخلل.

لقد ظهر في دورة المؤتمر الأخيرة، كما كان يظهر في الدورات السابقة لجميع المؤتمرات الحزبية، حرص الاعضاء على عقيدة الحزب وعقائديته واستمساكهم بمبادئهم الانقلابية ورسالة حزبهم القومية، وكل هذا حسن ونافع. ولكن يجدر بنا ان نلقي نظرة على مفهوم الاعضاء الرائج عن العقائدية لنرى فيما اذا كان المفهوم الصحيح الذي يخدم الحزب ويقويه ويجنبه الإنحراف والعثار.

عقائدية الحزب ليست مجرد الاستمساك بالعقيدة واستنكار ما يطرأ عليها من تشويه ومخالفة، بل هي ايضا وعلى الأخص القيام بكل الاعمال والواجبات التي تتطلبها العقيدة حتى تسير في طريق التحقيق. فالعقيدة هي فكرة تحقيقها، والعقائدية هي تفكير وتحقيق في آن واحد، والعضو العقائدي ليس هو الذي يعرف العقيدة فحسب، بل الذي يعرفها ويطبقها، ويطبقها لأنه يعرفها. ذلك لان المعرفة العقائدية تحتوي في ذاتها على مبدأ التحقيق، والعقائدي هو الملتزم بتحقيق ما يعتقد.

حزبنا عقائدي والمفروض اذن ان يكون جميع اعضائه عقائديين، ولكن بعض الاعضاء اخذوا منذ مدة يفرقون بين نوعين من الاعضاء داخل الحزب: عقائدي وغير عقائدي. فما هو مستند هذا التفريق، وما القصد منه؟ هل مستنده "المعرفة" بمفهومها العادي، اي ان في الحزب اعضاء يعرفون ما هي عقيدته، وآخرين لا يعرفون؟ ام هو السلوك، اي ان بعضهم يسلكون بموجب العقيدة وبعضهم الآخر يسلكون خلاف العقيدة رغم معرفتهم بها؟

لا فائدة من انكار وجود اعضاء لا تهمهم العقيدة بقدر ما تهمهم مصالحهم الشخصية ووصولهم. وكل حزب معرض لان يتسرب اليه من يتظاهرون بتبني العقيدة ليسخروها فيما بعد للمصالح الخاصة والأطماع الشخصية. ولكن من المفيد ايضا ان نعترف بان أعضاءنا العقائديين ليس كل سلوكهم عقائديا، وانهم هم ايضا يخالفون العقيدة بتقصيرهم عن فهمها الفهم الصحيح وعن أداء جميع متطلباتها، دون ان يكون عندهم قصد الاحتيال عليها واستغلالها. ولعل بين وجود هذين النوعين علاقة خفية. فبمقدار ما يقصر العقائديون عن حماية عقيدتهم بالفضائل الايجابية أي بالنشاط والبذل والروح النظامية والاندفاع المتصل، تقع هذه العقيدة فريسة بين أيدي المغامرين الانتهازيين والنفعيين الوصوليين. والدفاع عن العقيدة لا يكون الا هجوما.

والذي ينظر الى حزبنا نظرة واسعة بعيدة المدى يعرف بان ظهور الانتهازية والوصولية فيه ليس الا مقدمة واستعجالا لظهور نوع جديد من العقائدية تكون أقوى من التي توافرت له حتى الآن، فيها من صلابة الايمان ووضوح الوعي ما يؤهلها لمواجهة شروط العمل الواقعي والإقبال عليه دون جبن او ارتباك.

فاذا كان القصد من هذا التفريق سلبيا يرمي الى تغطية العجز وضعف روح البذل والتضحية والانصياع للنظام عند بعض من يسمون انفسهم عقائديين، فانه يكون تفريقا زائفا ومؤذيا للحزب. واذا كان القصد منه ايجابيا يرمي الى تحديد عقائدية الحزب وتقويتها بالتسابق الى النشاط والإنتاج والتثقف، وبالتغلب على الأنانية والفردية الصبيانية والارتفاع بالعمل الحزبي الى المستوى الانقلابي التاريخي، فانه يكون تفريقا واجبا وحيويا، وعندئذ يعبر عنه بالانضباط والعمل، اي يفرق بين الذين يطبقون نظام الحزب تطبيقا ايجابيا بتأدية جميع واجباتهم على الوجه الأكمل، وبين الذين يخالفون هذا النظام سواء بالتقصير او بالتخريب.

في الماضي، قبل تأسيس الحزب، كان السؤال هو: هل تتغلب الامة العربية على نفسها وواقعها، فتخلق من نفسها وواقعها، رغم كل ما فيهما من فساد وفوضى واستسلام، جيلا جديدا يمثل حقيقتها ومستقبلها ويقيم بينه وبين الواقع الفاسد سدا منيعا يسمح له بان ينمي بذور هذه الحقيقة، ويوضح صورة ذلك المستقبل؟ أما اليوم، وبعد أن قطع الحزب اشواطا من الطريق، فالسؤال هو: هل يتغلب الحزب على نفسه وواقعه، فيخلق من الفوضى التي دخلت بعض جوانبه، نظاما أشد واصلب من الماضي ويكون اقدر على صهر اعضائه وتنمية كفاءاتهم ورفع مستوى انقلابيتهم ونبذ من يشذ عن هذا المستوى من العناصر الرخوة والمخربة، ويخلق من الفساد الذي تسرب اليه فضائل جديدة، اكثر ايجابية من الماضي، تحمي انقلابية الحزب ورسالته التاريخية بغزو المجتمع لا بالانكماش عنه، ويجمع الحيوية الى المثالية بدلا من ان تكون هذه نتيجة لضعف تلك، وبتجسيد العقيدة في السياسة، خشية ان تبقى عقيدتنا نائية في سماء الوهم، وسياستنا متردية في حضيض التبذل.

(1) صدر هذا التعليق في النشرة الداخلية القيادة القومية حزيران 1955

 

الصفحة الرئيسية للجزء الرابع