ميشيل عفلق

في سبيل البعث - الجزء الثالث


ولادة مرحلة جديدة للأمة

 

ايها الرفاق المناضلون

ويا ابناء امتنا المجاهدة

تأتي هذه المناسبة كل سنة لتذكر البعثيين بالدور القومي الذي اضطلعوا به منذ اكثر من اربعة عقود من السنين. فقد كان التصور الذي انطلق منه الحزب،هو ان المجتمع العربي بحاجة الى انقلاب عميق شامل في كل نواحي الحياة، وان الأمـة العربية مهيأة للتجاوب مع هذا الانقلاب، ولانبعاث قومي أصيل، يستلهم ثورة الاسلام الخالدة، ويستوعب روح العصر وشروط التقدم الحديث.

وجاءت نكبة فلسطين عام 1948 مصداقا ً لنظرة البعث الانقلابية. وبان واضحا ً ان الأمـة العربية أصبحت مهددة في وجودها، اذا هي لم تجدد مجتمعها، وتحرر جماهيرها الشعبية، وتطلق قدراتها، وتبني إنسانها الجديد، بعقله الحديث المتحرر المبدع، وتوحد أجزاء وطنها في نضال واحد، في سبيل تحقيق مشروع حضاري كبير للبناء والتحرير.. ولقد سعى الحزب دوما الى ان يكون عمله مبدئيا وواقعيا في آن واحد، ان يعطي الحاضر ما يستحق من جهد واهتمام، ولكن ان يخص المستقبل باهتمام اكبر وبجهد أكثر، ان يعمل ضمن الظروف القطرية، ولكن ان تكون صورة الوحدة والأمـة الواحدة، حاضرة دوما في عقله وضميره.

ولم يكن في تفكير الحزب عند نشأته، وليس في تفكيره اليوم، ان يكون الحركة الثورية الوحيدة، بل يطمح ويسعى لان يكون الحركة الثورية العربية الأكثر شمولا ونضجاً، الحركة التي تستوعب ذاكرتها تجارب الأمـة العربية في حاضرها وماضيها لكي تستخلص منها ملامح طريق النهضة والثورة.. وقد كان الحزب يؤمن بان ثمة ضرورة حياتية قاهرة، في ظل اوضاع الأمـة المجزأة، المتناحرة الاجزاء، المسلوبة الارادة، لان يوجد عقل يعلوعلى تلك الأوضاع ويستوعبها ويتجاوزها، ولأن يوجد ضمير يشعر ويحكم باسم مصلحة المجموع، ومصلحة الكيان الواحد، والمستقبل الواحد..

كانت هذه مهمة حركة ارادت لنفسها منذ بدء تكونها، ان تعمل بالمقاييس التاريخية وان تمثل وحدة الأمـة، وتحاول تمثيل شخصية الأمـة الحضارية ورسالتها الانسانية.. ولذلك امتلك البعث بعداً في النظرة وشمولا، كما امتلك حسا ً للموضوعية والعدل واخلاقية نضالية متميزة.. ونحن نؤمن بان هذا الاهتمام القومي، المتجاوز للمكان القريب، والزمن الآتي، هو الظاهرة القومية التي ميزت المرحلة الجديدة من تاريخ النهضة العربية، وهي الظاهرة التي كان حزب البعث، اول من عبّر عنها وجسّدها في الفكر والنضال.

ان هذه السنين الطويلة، الحافلة بالنضال والاحداث التي انقضت على استجابة البعث لنداء المسؤولية التاريخية ُتستعاد في هذه الذكرى لكي يتبين البعثيون ما نجحوا في تحقيقه على طريق أهدافهم الكبرى، ولكي يتأكدوا بشكل خاص هل حافظوا على روح البعث؟ هل توصلوا الى أن يفصحوا عنها الافصاح الصادق العميق؟ هل أوصلوا هذه الروح الى ضمير الشعب؟، والى اي مدى حصل التجاوب؟ هل استطاعوا ان يخلقوا مصداقية جديدة لحركتهم،؟ وان يخلقوا ثقة تاريخية لدى الجماهير العربية بهذه الحركة وبمستقبلها وبقدرتها على مواصلة السير وحمل اعباء النضال في سبيل الاهداف الكبرى؟؟ هل استطاعت الحركة ان تطور نفسها وان تحتفظ في الوقت نفسه بمميزاتها وبروحها الأصيلة وطبيعتها الثورية؟

فذكرى تأسيس الحزب مناسبة تستدعي في كل عام، طرح هذه التساؤلات، ولكنها في هذا العام تأتي في ظروف متميزة عن كل ما سبق.. ظروف المعركة

القومية في العراق، التي فاقت كل التصورات فيما أفرزته من بطولات، وما فجرته من قوى كامنة في الشعب بشكل يعزز ثقة البعثيين بحزبهم وبأصالة دورهم في حركة الانبعاث القومي، ويشعرهم بانهم دخلوا مرحلة جديدة من الاقتراب، بل من الاندماج العميق بصميم الشعب، وملامسة حس الشعب التاريخي واستعداده، وتوقه الشديد الى النهضة الحضارية الاصيلة.. ويأتي هذا التحول النوعي في مسيرة الحزب في وقت عصيب، تتكاثر فيه المؤامرات والهجمات العاتية على وجود الأمـة العربية وعلى مقومات شخصيتها واستقلال ارادتها، كما يشتد الامعان في تمز يق روابطها الروحية والحضارية، فيجد البعثيون في روح النهوض والعطاء والايمان والابدع التي خلقتها معركة العراق ايذانا بولادة مرحلة جديدة تشمل الأمـة كلها للرد على مؤامرات الاعداء وعدوانهم رداً لابد ان ينتقل بالنضال العربي من حالة الدفاع المنكفئ المجزأ، الى حالة الهجوم، وتعبئة كل القوى والطاقات الشعبية عندما تستلهم روح هذه المعركة البطولية، وتسري في حنايا الجسد العربي الكبير. فالنظرة المتعمقة ترينا ان معركة العراق ما كانت لتقوم، لو لم تكن متصلة بضمير الأمـة العربية وبروح الجماهير العربية وبحاجتها الملحة الى الخروج من حالة التداعي واليأس والعجز المتفشية في الاوضاع العربية. وان هذه المعركة ما كانت لتعطي هذا العطاء الثري وتتألق بالنماذج البطولية الخالدة، لو لم تكن ثمرة ناضجة لتجربة العراق الثورية، التي تتوج اليوم، نضال اربعة عقود من حياة البعث والتي نمت وترعرت في جو مبادئه القومية الثورية الاصيلة ومعاناته الفكرية والنضالية الصادقة.

 

ايها الاخوة المناضلون

يا ابناء شعبنا العربي

في تجربة العراق ومعركته اليوم، ترى الأمـة مرآة نهضتها، ويجد الحزب نفسه وأفكاره، وخلاصة تجاربه، فقد تحقق لتجربة العراق ما لم يتحقق لأية تجربة عربية من قبل.. لقد أفادت من تجارب الحزب في الأقطار العربية الاخرى بنجاحاتنا وإخفاقاتها، كما افادت من التجربة الثورية العربية بوجه عام، واستجمعت الشروط الايجابية التي جعلت عملها ينسجم ويتكامل ويتحقق تحققا ً يتوافق مع حركة الحياة والتاريخ، اي مع روح الرسالة، لأنها تجربة بعثية اصيلة، ولان ظروف النضال وتوافر شروط القيادة التاريخية، قد هيأت لها السبيل الى تكامل مكوناتها وابعادها. فالركيزتان الاساسيتان للنهضة العربية المعاصرة الاصالة والحداثة متكاملتان وموحدتان في تجربة العراق، في حين انهما ما تزالان في حالة اختلال وعدم توازن، واحيانا في حالة تناقض في تجارب اخرى حيث القطر يعيش ازمة ما مع عروبته او تراثه او جماهيره او مبادئه، او مع الجوهر التقدمي للنهضة المعاصرة.

وهذه الصورة الرائعة المتحققة اليوم في تجربة العراق ما كانت لتتحقق لو لم تكن ثمرة لنضج التجربة القومية، لذلك فقد قبلت ان تحمل اعباء الأمـة في وقت يخيم التراجع والعجز واليأس في اجزاء عديدة من الوطن العربي، وان تنوب فعلاً عن الأمـة العربية، شأن تجارب عربية في مراحل سابقة نهضت بالنيابة عن الأمـة، كثورة عبد الناصر وثورة الجزائر في الخمسينات، ثم المقاومة الفلسطينية بعد حرب حزيران، فهي تقف اليوم لمواجهة الاخطار التي تهدد المصير العربي تمتلك الثقة العميقة بالمبادئ وبالشعب وبالقيادة وبضمير الأمـة وارادتها وطاقاتها الكامنة.

اذن ها هي السنوات تمضي لتؤكد اقتراب البعث من روح الشعب. هو الذي انطلق من الايمان بهذه الروح وبأنه مطالب، في نضاله الفكري والعملي بان يقدم امتحانا مستمراً امام الشعب لكي يتأكد من صحة تعبيره عن روح الأمـة، اي عن روح الحرية والثورة والاستعداد الحضاري والتطلع الانساني. فحزب البعث هو ابن الشعب العربي، والتاريخ العربي، والتربة العربية، دفعه الحب للامة كما دفعه الألم مما انتاب العرب من ضعف وانقسام وتخلف، الى ان يتحمل مسؤوليته القومية بمشاركة الشعب وبالتعلم منه بقدر ما يستطيع ان يعلمه ويفيده.

ونحن نشعر باليقين، واقتناع العقل وارتياح الضمير، ورضا التاريخ، امام حصيلة الحزب النضالية، وامام الانجاز التاريخي الذي حققه الحزب في العراق، والذي بلغ ذروة تألقه في هذه المعركة المباركة النابعة من اعماق وجدان الأمـة العربية في تمردها على واقعها، وتوثّبها الى الوحدة والتقدم والقوة.

 

ياا بناء امتنا الابطال

ان حالة النهوض ليست ظاهرة جديدة على المجتمع العربي. فمنذ القرن الماضي، بدأت بوادر النهضة العربية تظهر بنسب مختلفة في ارجاء الوطن الكبير، ولكن مستوى النهوض في عراق البعث هو الظاهرة الجديدة، وهو الذي يشكل مؤشراً متميزاً لانه يكشف لاول مرة في حياة العرب المعاصرة، عن مستوى تكامل البناء والنضال والانطلاق والعطاء وحالة اكتمال شروط الصحة، حالة الامتلاء والفيض وتفجر الطاقات وتصحيح الزيف، اي مستوى الاعداد لحمل الرسالة. انه التعبير المتألق عن شخصية الانسان المنبعثة في هذا الجزء من ارض العروبة، وهو العراق، الذي يعيد اليوم الى العرب الثقة بالنفس، وبالقدرة على الانتصار بل وبحتمية الانتصار على تحديات النهضة العربية.

 

ايها المقاتلون العراقيون الافذاذ،

ايها المتطوعون العرب البواسل

ان هذه المعركة المجيدة التي تخوضونها، تحمل من المعاني الانبعاثية مالا تستوعبه اللحظة الراهنة بالرغم من كل ما تنطوي عليه هذه اللحظة من معاني البطولة وروعة الانتصار على النفس وعلى العدو، وما تستحضره من أمجاد تاريخية، وما تجدده، من صلة حية بماضي الأمـة، وما تحققه من احلام المستقبل العربي، وتضعه في قلب الحاضر من بذور حية لهذا المستقبل.

هذه المعركة البطولية، لو لم يكن لها من فضل سوى انها فجرت بطولات رائعة خالدة، فإنما تكون قد ادت مهمتها لأن جو الحياة العربية في هذه الفترة القاتمة بامس الحاجة الى البطولة، تطهره وتحرره. اذ بالبطولة يسترد الانسان العربي كل اصالته، ويعيد اتصاله بأرواح الاجداد الخالديين. كما يستطيع ان يستشرف المستقبل المشرق الذي يبنيه بيديه وبإرادته الحرة وجهده الصادق. ولكن معركة العراق اغنى من ذلك بكثير والبطولات فيها ليست مجرد تعبير عن النخوة والرجولة وحب الارض والوطن، بل هي مشبعة بالوعي، و ُمشعة بالايمان، ُمحمّلة بالقيم، لانه بطولات ابناء ثورة صادقة،وشعب عريق في الحضارة، وأمة ٌشرفت بالرسالة.

لقد كانت الانظار متجهة الى معركة التحرير في فلسطين، والى محاربة حالات التخاذل ومواقف الخيانة والاستسلام، والى البحث عن كل ما يوفر الصلابة والقوة للموقف العربي، ويقرب من الوحدة. واذا الخطر يظهر من حيث لم يكن متوقعا ً ان يأتي، وتحت غطاء براق.

لقد رحب عراق البعث بالتغيير الذي اختارته الجماهير الواسعة في ايران، وعندما ظهر الانحراف من قبل الحكام الجدد، واخذوا يسفرون عن الوجه التوسعي لحركتهم، وعن روح الحقد والضغينة للقومية العربية، ولثورة العراق القائمة على العقيدة القومية العربية، كان اعتراض العراق، هو على هذا الجانب، وليس على الحركة كلها. وعندما بدأ هؤلاء الحكام يفصحون عن غرضهم في إسقاط حكم البعث في العراق، لم يكن جواب العراق على هذا العداء المبيّت انه يريد إسقاط حكم الخميني في ايران، بل دفع أذى هذا الحكم عن العراق وثورته وعن العروبة ومستقبلها. فالعراق لا يمكن ان يكون البلد الذي يطمح الى التوسع على حساب ايران او غيرها، فهو جزء من الوطن العربي الذي مازال يعاني من تحكم السيطرة الامبريالية والاحتلال الصهيوني، وهو اذن مطالب بان يضطلع بقسطه الوافر من مسؤولية التحرير القومي، فضلا عن ان المبادئ التي يعتنقها ويؤمن بها ترفض سياسة التوسع وتدينها وتحاربها. فالعراق لا يطمح في واقعه القطري والقومي الا الى كسب صداقة جيرانه، والى ضمان احترامهم لاستقلاله وأمنه الداخلي، حتى يتفرغ لمهمة البناء والنهوض، ويسهم في تحرير الاراضي العربية المحتلة، وفي واجبه المقدس في تحرير فلسطين، ولم ينس ان اعداء الأمـة العربية من الاستعماريين والصهاينة كانوا يعملون على دفع ايران في عهد الشاه لكي تخلق له المتاعب الداخلية، وتساعد التمرد في شمال العراق بكل انواع المساعدة، وتغتصب اجزاء من ارضه ومياهه.

اما حكام ايران الجدد، فان دفاع العراق عن سيادته وامنه وسعادة شعبه، هو في نظرهم عدوان عليهم، لانه حال بينهم وبين تصدير ثورتهم والسيطرة باسمها على ارض العراق، وتهديم انجازات اربعة عشر عاما من عمل الثورة، وفرض انفسهم بديلا لها وللثورة العربية كلها، لذلك يعتبرون ان العراق هو المعتدي، فهم اذن، يتعاملون بمفاهيمهم الخاصة، للعدوان، ينطلقون من مسلمة ان لهم حقا في السيادة على العراق، ومنعهم من ممارسة ذلك هو العدوان في نظرهم،

فدفاع عن العراق هو دفاع مشروع عن الذات والأمـة واتجاه النهضة العربية. لكنه دفاع المؤمن برسالة، دفاع المقتدر، وليس دفاع الخائف المتردد.. انه دفاع امام افتراء وادعاء باطل وحقد أعمى وعقل مغلق، افتعل الخصومة دون مبرر حيث كان الشيء الطبيعي، اللقاء والتعاون وطي صفحة الماضي الاسود المليء بالاعتداءات..هو دفاع القائد المؤمن بحق وطنه وأمته، الواثق من نفسه ومن قيمة البناء الذي تعهد، طوال سنين، ومن متانته وإتقانه، دفاع الوفي لأرضه وتاريخه، المحب لشعبه، الغيور على مصلحة هذا الشعب وكرامته وعزته، دفاع العقل المنفتح الخلاق والشخصية القيادية الشجاعة البطولية،التي تدرك بالحس المرهف ما تنطوي عليه نفسية الشعب من اصالة واستعداد عميق للنهوض، فلا ُتتاح فرصة إلاّ سخرها لتربية الشعب والارتفاع بوعيه، وتعريفه بطاقاته الخبيئة وقدراته الحقيقية.

فمن يكون اذن المعتدي، ومن يكون المعتدي عليه؟ ثم بم انتصر العراق.. هل بغير الاسلام انتصر؟ ألم يحارب منذ اليوم الاول وحتى الآن بروح الاسلام ومبادئه وقيمه السامية وذكريات قادته وابطاله الخالدين؟ أليس روح الاسلام وقيمه وأخلاقه هي روح العروبة وقيمها وأخلاقها؟؟..

انها معركة انتصار القيم العربية الاصيلة، لذلك كان لابد ان تلامس اعماق الجماهير في كل قطر عربي، وان تكون هذه الطلائع المتدفقة على المعركة من المتطوعين العرب، المتوافدين من هذا القطر وذاك طلائع مد قومي عارم جديد فالتجاوب القومي امر حتمي لابد ان يأتي، ولابد ان تصل المعاني القومية لهذه المعركة، الى وعي الجماهير العربية، بالرغم من العوائق المصطنعة، التي توضع من قبل الجهات الاجنبية المعادية، والانظمة العربية المذعورة.. بل ان هذا التعويق المفتعل وهذه الحواجز المصطنعة التي يراد بها محاصرة الروح الجديدة، والحيلولة دون انتشار إشعاعها، قد كان له دور في تعميق المعركة وانضاجها. اذ كان على العراق ان ينهض بالأعباء معتمداً على نفسه، وان يستخرج من قوته الذاتية المتصلة بروح الأمـة، وبالمبادئ القومية ما يجعل منه في هذه الفترة، بديلا حقيقيا فعالا ً عن الأمـة كلها، فكون العراق عميق الصلة بالقومية العربية، وبالنهضة القومية، وكذلك بأمجاد الأمـة وبأروع صفحات تاريخها في الماضي،،

فانه استطاع ان يجعل من تجربته الثورية ومن معركته بداية حقيقية لحالة نهوض قومي شامل.. ان شعب العراق اذ ُيقبل على المعركة بهذا الاندفاع العميق الصادق، فلأنه يرى فيها صورة المستقبل الذي يطمح اليه، مستقبل الأمـة العربية، وليس مستقبل العراق وحده، المستقبل الذي يكون فيه الشعب كله مشاركا ً في صنع مصيره. وقد جاء هذا ألاندفاع نتيجة اكتشاف الشعب للقيادة المعبرة عن امانيه، والتي توضح له يوميا صورة مستقبله، وقدرته اللامحدودة على صنع هذا المستقبل.

فالعنصر القيادي الفذ في شخصية الرفيق صدام حسين كان الشيء الجديد والعامل الحاسم في وحدة الشعب واندفاعه، وفي تحقيق النصر وإدامة روحه، وكان المفاجأة الرائعة لشعب العراق وجماهير الأمـة العربية، التي ترى فيما تحقق في العراق الصورة الصادقة للحياة العربية كما تحفظها ذاكرتها القومية عن الماضي المجيد، وكما تطمح اليها في العصر الحديث.

ان تجربة العراق تجربة قومية وحدوية، وما من نهضة تتحقق في قطر عربي، وما منثورة جديّة إلاّ وتشكل الوحدة أساسها. كما ان التراجع والتردي والانتكاس والعجز، هي نتائج حتمية للانعزالية القطرية والابتعاد عن الآفاق القومية الوحدوية، فالوحدة تبدأ مع حالة النهوض، تبدأ من وحدة الشعب في داخل القطر، تبدأ من حرية الشعب، لذلك فان الذين ُيبذرون الفرقة والانقسام داخل اقطارهم، ويسلطون الإرهاب على الشعب، لا يعرفون طريق الوحدة. ثم ان الوحدة حالة قوة، وفيض من قوة، قوة العقيدة، وقوة الشعب المؤمن بالعقيدة، قبل ان تكون سبيلا الى القوة..هي ليست تعويضا عن نقص اوضعف او ستراً للضعف، لذلك كان الاخفاق من نصيب المحاولات التي تذرعت بهدف الوحدة، وتلاعبت به من اجل تقوية النظام الذي يعاني انتكاسة، او أزمة داخل القطر، لذلك ربط الحزب بين الوحدة والنهضة، كما ربط بين الوحدة والمعركة، ودعا منذ سنين وبصورة خاصة على اثر هزيمة حزيران، الى الوحدة المقاتلة، فالعدو الصهيوني ومن ورائه الامبريالية، كان يستشعر دوما الخطر، بل ويصاب بالهلع عندما يفاجأ بحالة نهوض في جزء من اجزاء الوطن العربي، لانه يدرك حتمية تحول النهوض الحقيقي، الى حالة قومية، اي الى وحدة نضال، ومعركة تحرير، كما انه لم يأبه لما أسموه بمشاريع وحدوية، والتي ولدت ميتة وكانت مجرد محاولات خادعة لتغطية العجز ولتخدير الشعب

لا شيء يفاجئ العدو، وبدحر مخططاته، سوى مفاجآت الأمـة لذاتها، فكلما نضبت مرحلة من مراحل النهوض القومي، وتعرض وجود الأمـة ومصير قضيتها للخطر الجدي، فاجأت الأمـة نفسها بظهور مستوى جديد، وتميز في النضال المعبر عن روح النهضة العربية.. هذا ما يؤكده تاريخ العقود الاربعة التي انقضت، وها هي المفاجآت القومية على الحدود الشرقية، تعلن اليوم عن نضج تجربة قومية ثورية، تفتح ابواب مرحلة جديدة للعمل الوحدوي الذي تصنعه وحدة الدم العربي على ارض المعركة القومية.

 

يا ابناء شعبنا العربي

لقد ادرك البعث مبكرا، حقيقة اساسية وهي ان قيام الكيان الصهيوني، بدعم من الامبريالية والقوى العالمية، قد فرض على العرب مستوى جديدا من المعاناة والصراع، فالعدو الصهيوني منذ ان اصبح له موطئ قدم على ارض فلسطين، بات ينظر الى استقلال اي قطر عربي، والى تطوره الاقتصادي والاجتماعي، ونهوضه الثقافي، حتى في اكثر الاشكال اعتدالا على انه تهديد جدي لوجوده. وعلى هذا الاساس فقد تقدم البعث، تيار النهضة العربية لينبه الى السلاح الوحيد المتكافئ مع التحديات الجديدة: سلاح الوحدة، سلاح النهضة ووحدة النضال العربي. ثم جاء الدور البطولي لعبد الناصر، فكان أوسع وأعمق من حدود التجربة القطرية، حملته موجة التأييد الشعبي لمواقفه التحررية، وبخاصة بعد العدوان الثلاثي، الى الالتحام بالمد الجماهيري الوحدوي في الوطن العربي، والذي بلغ أوجه في سورية بقيادة البعث، فكانت الثمرة الوحدوية الاولى، بقيام وحدة سورية ومصر.

وهكذا جاء الرد الشعبي على النكبة، بعد عشر سنوات بقيام اول وحدة في العصر الحديث، فكان هذا الحدث الضخم مفاجأة وتنبيهاً عنيفا ً للاستعمار والصهيونية، استدعى ان يبدأ في محاربتهما لتيار الوحدة العربية، مستوى جديدا يقوم على التخطيط الشامل والتآمر المتعدد الحلقات والاساليب. فقد استغلا جملة ثغرات في تطبيق وحدة 1958، ونجحا في ضربها بمؤامرة الانفصال، التي اعطت للتجزئة معنى جديدا، فلم تعد حالة منفعلة، واستمراراً لوضع راهن، بل اصبح الانفصال وما يزال، حالة هجومية عدوانية متحركة، ولم تعد الامبريالية والصهيونية ترضيان من عملائهما ان يمتنعوا عن التوجه الى الوحدة، بل يطلبان منهم الحرب على الوحدة والتهديد بالحرب، والضغط بشتى الاساليب وانوع التآمر، حتى وصل الأمر بالسادات، ان قطع صلته بالاقطار العربية، وتحالف مع عدو العرب والمصير العربي. فقد كان الانفصال مدخلاً للاعداء ولقوى الردة، للتآمر ضد التوجه الوحدوي، وعلى نهضة الاقطار التي تستنبت الوحدة، ثم على القيادات الوحدوية التاريخية في تلك الاقطار.

فقد تركزت المخططات المعادية، الداعمة للانفصال على الحيلولة دون تجدد اللقاء بين البعث وعبد الناصر، وضرب كل امكانية لتجديد الوحدة، بايقاع نكسة داخل تجربة البعث في سورية، وفي داخل تجربة عبد الناصر، واعداد بديل من داخلهما للانقضاض على دورهما القومي، وضمن هذا السياق، جاءت ردة شباط ونظام حافظ اسد، وكذلك ردة السادات في مصر. وعندئذ جاء طراز من الانظمة، خلقت حالة من التردي القطري والانحراف القومي والعودة الى التبعية بصيغ جديدة، تتجاوز حدود التبعية السياسية الى الاستعانة بالمخططات الدولية ضد الروابط القومية، وضد جماهير الشعب داخل القطر، وبالعزلة القومية، الى حد الموقف الشعوبي المعادي للعروبة.

وهكذا وصلت الأوضاع العربية في ظل هذا المنحدر الخطير، الى حالة من التردي، لم يعد يمكن الخروج منها، الا بعمل بمستوى بطولي مؤهل لاستعادة المعاني القومية والروح المبدئية النضالية، التي ميزت ثورات البعث وعبد الناصر.

والجزائر والمقاومة الفلسطينية.. وتجديد تلك المعاني وإخصابها..

ان بوادر النهوض الجديد في المرحلة القومية تتجلى حيث المعاناة النضالية للجماهير في الاقطار العربية، تعبر عن نفسها اليوم بمستويات جديدة، وتقتلع او تتهيأ لاقتلاع الحواجز، امام طريق وحدة النضال العربي.. فالشيء الايجابي البالغ الأهمية الذي حصل في مصر، هو ان القضاء على السادات، من قبل عناصر وطنية من ابناء شعب مصر، قد عبر عن صمود شخصية الأمـة وحضور إرادتها، كما ثبّت ورسّخ الفشل الذي مني به السادات وسياسته، وأفسح المجال نحو تطور يحتاج الى كل ثقل الأمـة، لكي تعود مصر الى توازنها، وتمحو اثار الارتباطات التي ورطها فيها السادات، لكي تعود الى قدرها العربي الوحدوي، بعد تلك الفاصلة المحزنة. ولكنها عودة ينبغي ان تستوعب كل معاني الدرس المؤلم، وان تنتقل بمصر وانتقالا جريئا نحو مرحلة متقدمة فكريا وعمليا في ممارسة الدور الذي يليق بمصر وتاريخها ونهضتها وتضحيات شعبها العظيم. فشعب مصر وأحزابها الوطنية المناضلة، هي اليوم اشد صلابة وتمسكا بوطنيتها وعروبتها، واقدر من ذي قبل على الاطلاع بمتطلبات الدور الجديد لمصر العربية التي تحملت اكبر عبء من التضحيات في سبيل فلسطين والقضية العربية، بالرغم من انها اقل الاقطار حظا ً من الثروة العربية...

فعود ة هذا القطر العربي الكبير، الى الالتحام بقدره العربي الوحدوي هي عود ة حتمية، وهي تبرهن للعرب ان قدرهم هو الوحدة، وان تبنيهم لهذا القدر، يقود هم الى النصر، وتراجعهم عنه يؤدي الى الفشل القطري، والانهيار القومي..

وفي الارض المحتلة، تشتعل في الضفة الغربية وقطاع غزة انتفا ضة شعبية جديدة، هي انتفاضة روح الشعب والمبادئ، في وجه العدو المصيري، كما انها تدعم المقاومة الفلسطينية التي طوقتها الانظمة المستسلمة، واخضعتها لمختلف الضغوط لكي تتراجع عن المواقف الصلبة المعبرة عن روح فلسطين وقضيتها القومية، فلا تقوم بدورها المطلوب كرائدة للوحدة بل تتقلص عند اطارها القطري، وتتأرجح داخل اطار المساومات الدولية. فهذه الانتفاضة الجديدة الرائعة تاتي اليوم لتغذي روح المقاومة وتصلب عودها، ولتعبر عن ثقة الجماهير العربية بنفسها.

فهي صوت يتكامل مع صوت المعركة القومية في العراق، فهي الأمـة العربية وقد نضجت ملامح انتقال نضالها، بعد معاناة قاسية طويلة، الى مرحلة نهوض جديد.

وقد كان القطر السوري، الموقع الأشد إيلاماً في تلك المعاناة القاسية، فالردة في القطر السوري، استهدفت ضرب حزب الوحدة، وكانت تشويها ً لتاريخ سورية، الذي تميّز بالدور القومي الطليعي، وبالتآخي الوطني، والنضج السياسي والاجتماعي الذي أهّل سورية لأن تكون رائدة في النهضة العربية، وان تحمل، مشعل القومية والوحدة. فقبل ايام، سارت سورية العربية في موكب تشييع شيخ المجاهدين الزعيم سلطان الأطرش، القائد العام للثورة السورية، ولست اشك في ان روح الأمـة العربية، كانت في ذلك اليوم، تملأ سماء سورية، تذّكر ابناءها بالقيم العليا من خلال النماذج الإيمانية التي جسّدت هذه القيم في فترات مضيئة من تاريخ امتنا، والتي كان سلطان الاطرش واحداً من أصدقها وأقواها تعبيراً عن أصالة الشعب العربي، ففي تلك الفترة الخالدة من تاريخ سورية، وفي تلك الأجواء النقية الصافية نشأت البذور الاولى للبعث، بذور الثورة على الاستعمار وطغيانه، ومن اجل استقلال الوطن وكرامته، ومن اجل العروبة وشرف الانتساب اليها، ومن اجل تحرير كل الارض العربية في مشرق الوطن ومغربه.

ولكن الاهم من ذلك بالنسبة الى بذور فكرة البعث، التي كانت ارض سورية العربية، موطنها الاول، هو ان تلك الفترة الملأى باخبار الجهاد والبطولة والاستشهاد، القوية الإلهام والتأثير في حياة الشعب وحياة الافراد، كانت بداية لقائين حاسمين في اثرهما العميق: لقاء مع الفكر العلمي العقلاني التحرري الحديث، ولقاء مع الاسلام العربي ورسوله الكريم، لقاء الحب والاعجاب والانتماء الحميم، وكان ذلك قدر عمر بكامله،وقدر حركة قومية اصيلة تاريخية. ان تلك البذور الطيبة هي التي اثمرت فيما بعد، حركة البعث العربي التي انطلقت، قبل اكثر من اربعين عاما، من تصور ثوري حضاري لمستقبل الأمـة العربية.

ولم يخب الرجاء في الأمـة الأصيلة والشعب النجيب فوجدت هذه الافكار في العراق صورتها الصادقة بين شبابه المناضلين الاوفياء الميامين، الذين يكتبون اليوم

بدمائهم على جبهات القتال اروع صفحات الخلود، يحوزون بها رضا التاريخ المجيد، ويبنون المستقبل العربي الصاعد.. وحيث الشعب العظيم والحزب المناضل والجيش الباسل، والقائد البطل، يعيشون حالة توافق وانسجام وحب، وتجرد، وعطاء. وتسام في التضحية.

هذه هي الصورة التي حلم البعث منذ نشوئه ان يبلغها و يحققها، وهي في قناعته شيء خالد لا يفنى ولا تنال منه اسلحة الاعداء لانها وعي وتربية وشعور جديد بالحياة وادراك لمعناها العميق، ولأنها روح، اي طاقة لا بد ان تنتشر وتؤثر، وهي التي انطلقت من الأمـة، لابد ان تكون الأمـة مرجعها ومآلها ومجال انتشارها وتأثيرها، ولكن ماذا اصاب تاريخ سورية، وروح سورية، والحركة التاريخية التي عبّرت عن دور سورية التاريخي في نهضة الأمـة؟ ماذا اصاب شعب سورية على ايدي المتسلطين، الذين حاولوا ان يشوهوا كل شيء؟.

لقد اغتصبوا السلطة بالتآمر والسلاح الغادر وظنوا انهم يستطيعون اغتصاب الحزب، بروحه وفكره وتاريخه الطويل، وزجّوا بنصف جيش هذا القطر لمحاربة الشعب، دمّروا المدن والقرى والمنازل على ساكنيها، كما حدث مؤخرا في مدينة حماه المجاهدة المنكوبة، كما حدث من قبل لحلب وجسر الشغور وغيرها من المدن، ووصلوا الى الدرك الأسفل في تعاملهم مع الشعب وفي علاقة الكره والحقد، وفي ممارسة القتل الجماعي والاجرام اليومي، وفي العدوان على قيم الشعب الروحية وعلى ابسط القيم الانسانية. ولم يجدوا مخرجاً من ازمتهم الخانقة غير الارتماء في الخيانة السافرة، التي لم يعرف التاريخ القومي لها مثيلا في فظاعتها.. يتحالفون ويقاتلون الى جانب حكام ايران الرجعيين المتخلفين والعنصريين الحاقدين على العرب. ضد العراق وجيش العراق العربي الذي انقذ دمشق من السقوط في حرب تشرين.

ان هؤلاء الذين قطعوا الصلة الحية بروح الشعب وتاريخه الوطني وباهداف الأمـة، واصبح استمرارهم في السلطة لا ُيضمن الا بتقتيل ابناء الشعب بعشرات الالوف، والتفريط بحقوق الأمـة وارض الوطن. ان هؤلاء الذين يتخلون عن تحرير الجولان، ويساومون على قضية فلسطين، والذين اصبحوا يتصرفون وكأنهم يحتلون بلداً اجنبياً معادياً، لا تصله بهم صلة او نسب.. لابد ان يلقوا مصير المحتلين الذين كانت سورية العربية اول قطر عربي قد لفظهم وحقق الحرية والاستقلال. فالسلاح الذي يسلطه نظام حافظ اسد على جماهير سورية لا يستطيع ان يتغلب على السلاح التاريخي، الذي كانت له الغلبة دوما، وهو نضال الشعب ضد الظلم ومن اجل الحق، والذي يعلن انتصاره اليوم من خلال معارك المقاتلين: ابطال العراق وأبطال شعبنا العربي في الارض المحتلة، امام العدو الصهيوني والنظام المعادي في ايران.

 

يا أبناء سورية العربية الحبيبة

ان محنتكم هي محنة الأمـة، وجرحكم هو الجرح الكبير، ولكن المؤامرة على تاريخ سورية وروحها الوطنية القومية التقدمية، المؤمنة، مهما تكن كبيرة فان قدر هذه الأمـة هو الانبعاث، وقدركم ان تكونوا رواداً تاريخيين في نهضة الأمـة عندما توحدون نضالكم ضد هذا النظام الذي تنكر لكل القيم الاصيلة، كما تحقق ذلك في البداية المباركة التي أثمرت في الفترة الأخيرة تحالفا وطنيا، مستوعباً لآلام سورية متطلعا نحو مستقبل قريب، يتخلص فيه هذا القطر المناضل من عوامل النكسة، التي أصابت دوره القومي، وينهض من جديد لمتابعة رسالته النضالية.

انكم ايها الابناء تواجهون نضالا شاقا، ولكنكم بهذا النضال، تزيحون عن كاهل الوطن، نظاما فاسدا ضالعا في الانحراف مرتدا، اصاب في الصميم روح الانبعاث والنهضة في الأمـة..

ان انقاذ سورية، واستعادة دورها القومي، ومعالجة الجروح العميقة التي خلّفها هذا النظام في جسد هذا القطر، وفي لبنان، هو ايضا مسؤولية قومية، فعودة سورية العربية الى دورها التاريخي الاصيل، ضرورة حتمية، لكي يأتي النهوض الجديد للأمة، معبراً عن ارادة التصحيح العميق والشامل للاوضاع العربية الراهنة، وعندئذ يأتي المغرب العربي بكل ما فيه من طاقات قومية، وامكانيات للثورة وللنهضة ابعدتها العزلة عن حرارة المعاناة القومية. وحالت دون تفجّرها. فالانكفاء القطري، الذي استغلته الاتجاهات الانعزالية القطرية، لتشجيع ظهور النزعات العنصرية، والمواقف السلبية من العروبة والثقافة العربية، قد كان تعبيراً عن نكسة داخلية، وابتعاد عن الرابطة القومية الوحدوية.

فثورة الجزائر، التي ايدتها الأمـة العربية، والتي كان متوقعا لها ان تكون عنصر احياء للنضال الوحدوي، لولا ملابسات قومية وقطرية ابعدتها عن هذا الدور، لابد ان يكون لقطرها موقعه القومي اللائق بثورته، جنبا الى جنب مع الاقطار الاخرى للمغرب العربي، وقواها الوطنية، وحركاتها الثورية، وشعبها العظيم.

 

ياا بناء امتنا العربية

ان معركة العراق اليوم، تشكل التعبير المتكامل الابعاد، عن بدء هذه المرحلة الجديدة في مسيرة الأمـة النضالية، انها البداية الجديدة، بداية النضج، بداية الاثمار والعطاء، انها حالة داخلية منبثقة من روح الانبعاث الجد يد في الأمـة العربية، وهي تتجلى في اروع صورها في العراق، انها حالة اختمار وتفجر داخل الوطن الكبير، تعتمل،داخل كل قطر، وفي كل فرد، وتتعدد اشكالها وتعبيراتها حسب الظروف وخصوصيات الزمان والمكان، ولكنها كلها، تعبر عن روح واحدة، وتقترب من مستوى النضج الانبعاثي وتشير الى اتجاه واحد، هو الوحدة. لذلك فلا توجد قوة تستطيع ان تعزل معركة العراق عن الجماهير العربية، والواقع العربي، فهي من صميم روح الجماهير وإرادته، كما انها رد على هذا الواقع، وتعويض عنه، وفتح باب الخلاص امامه، لكي يخرج من أزماته وأمراضه، وشلله وتناقضاته. فالوعي الجديد للوحدة، اي التصور الحي له، يتطلب ويشترط الصلة الحية بالمعاناة داخل كل قطر، وبمعاناة الأمـة كلها. فالنمو الذاتي داخل القطر، المستند في انطلاقته الى بواعث وحدوية، والمتطلع الى آفاق وحدوية لابد ان يؤول الى التضامن والوحدة، وعندئذ يصبح التضامن العربي الصادق صيغة من صيغ الوحدة، فالمهم هو روح النهوض، لأن التضامن ذاته، اذا أريد له ان يكون فعالا، لابد ان يقوم على تطوير الأوضاع القطرية، وخلق حالة النهضة. ولاشك في ان مشاركة الاقطار التي استجابت لنداء معركة العراق، قد فتحت امامها الطريق لتطوير اوضاعها الداخلية. باتجاه الوحدة الوطنية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ودعم الاستقلال في وجه النفوذ الخارجي. فتفاعل اقطار الاردن واليمن التي انسجمت انظمتها مع اندفاعة جماهيرها، في توجه واحد نحو المعركة، لابد ان تدعم روح النهوض، وتعزز التضامن، وتساهم في خلق شروط حية للاقتراب من الوحدة. فلولا انعدام التضامن العربي الجدّي، لما قامت هذه الحرب العدوانية على العراق، ولولا حالة التردّي والاستسلام، لما وصلت غطرسة العدو الصهيوني الى هذا الحد من الصلف.

فالمعركة اذن، تطرح اليوم الحاجة الى التضامن العربي الفعال، المستلهم من الحاجة الى النهضة والوحدة، حتى يوضع حد لهذا العدوان المتكرر الخرق على الحدود الشرقية، ويتفرغ العرب لعدوهم المصيري الصهيوني.

 

يا أبناء العروبة البواسل،

ياا بناء العراق الابطال.

بعد اكثر من سنة ونصف السنة من الحرب، واكثر من ثلاث سنوات على قيام الحكم الجديد في ايران، وبعد ان انكشفت عقلية النظام القائم فيها، فقد آن للقيادات والاجيال العربية الواعية المقدّرة لمسؤوليتها التاريخية، ان تقول كلمتها في هذا النوع من العقلية، وان تقف موقفاً مسؤولا، يعبر عن عمق انتمائها الى حركة النهضة العربية. فطريق التقدم العربي مستوعب لجوهر الاسلام، وحريص عليه حرصه على اثمن شيء في عروبته، وهو أيضا متفائل بنهضة الشعوب الاسلامية، وبلقائها الطبيعي مع الأمـة العربية ونهضتها الحديثة..

اما التستر على عنصرية النظام المعا دي للعروبة في ايران، وعلى أغراضه التوسعية، ورجعيته وتخلفه، وتعاونه مع الكيان الصهيوني، من قبل الحكام والسياسيين والفئات التي ما تزال تدافع عن هذا النظام، وَتنسب اليه الثورية، فلا يمكن ان يوصف بغير الانتهازية والاستغلال، وتنفيس الاحقاد والتآمر الذي يبلغ حد الخيانة على امتهم. هؤلاء نتركهم لحكم التاريخ وحساب الشعب لهم.. ويكفي ان معركة العراق قد كشفتهم، وفضحت تآمرهم.

ولا شيء يمكن ان ينال من انتصار العراق، الذي يمسك باسرار القوة والنصر، ويستمد قوته كطليعة للنهضة العربية، من جماع امكانات الأمـة وحوافزها للمستقبل. وسيبقى جيش العراق يواصل انتصاراته حتى يحصل اللقاء الحار العميق الواسع بين روح النهوض المتجسّدة في معركة العراق، وبين الاستعداد الاصيل للنهوض، الكامن والمتحفز في عقل وضمير كل فرد من ابناء العروبة.

تحية لشهداء البعث والأمـة العربية، ومجدا للشعل المضيئة: شهداء معركة العراق، الذين فتحوا صفحة جديدة في سجل الخلود العربي، وجسدوا مستوى جديدا للبطولة. في حياة الأمـة..

تحية لشعب العراق، منبع البطولات، ومنبت المرؤات، والحامل الامين لقيم الاصالة العربية.

تحية لقائد النصر، الرفيق العزيز صدام حسين.

تحية لجيش العراق، حامل راية النصر المؤزر، جيش الرسالة العربية، الذي تفانى في دفع الاخطار والشرور عن الأمـة العربية وشخصيتها ومستقبل نهضتها.

تحية للجيش الشعبي الذي اصبح حقيقة بارزة من حقائق هذه التجربة الثورية الناضجة، وحقق صورة الشعب المقاتل، المسلح بالايمان والثقافة والبندقية.

تحية للمرأة العراقية التي تشق طريق التحرر السليم امام المرأة العربية، من خلال النضال وتهيئة عوامل الانتصار الدائم للمعركة، وتعزيز قيم البطولة والشهادة.

تحية للمتطوعين العرب الذين يرسمون بتفاعلهم مع المقاتلين من ابناء العراق، مستقبل الوحدة المقاتلة.

عاشت الأمـة العربية.

( 1 ) كلمة في السابع من نيسان عام 1982، لمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي.

 

 

الصفحة الرئيسية للجزء الثالث