ميشيل عفلق

في سبيل البعث - الجزء الثالث


نفهم التراث بالفكر الثوري والمعاناة النضالية

 

أيها الرفاق

في كل مرة يتاح لي لقاء مع رفاقنا المناضلين أختزن طاقة هائلة من التفاؤل والإيمان بمستقبل أمتنا المشرق، أيام قليلة قضيناها في هذه المدينة، تجولنا أثناءها وشاهدنا ما يملأ القلب والنفس بهجة وارتياحا وأملا كبيرا.. ولكن نحن البعثيون تعودنا دوما أن نعتبر اكبر الانجازات بداية، وبداية صغيرة وصورة مصغرة جدا لإمكانيات امتنا في المستقبل عندما تنهار الحواجز التي تجزيء وطننا الكبير وعندما تحطم العوائق والقيود التي تكبل جماهير شعبنا العظيم، عندئذ يكون الإنجاز العظيم.. الانجاز التاريخي الذي لا نرى الآن إلا دلائل وتباشير تنم عنه ولكن لا تحتويه كله.

أيها الرفاق

كنا نتوق إلى اليوم الذي نرى فيه مناضلينا وأبناء شعبنا يبدعون، يعملون في المصانع وينشئون الحياة العصرية الحديثة المصنعة التي تصمد لتحديات العصر، كان هذا حلمنا أن نرى مناضلي حزبنا يلقون بأنفسهم في لجة التحقيق والعمل... في لجة الانجازات الكبيرة بعد أن مارسوا النضال عشرات السنين، النضال السلبي ضد الاستعمار وضد الطغيان وضد التخلف والتجزئة، كانوا وكنا معهم نحنّ الى العهد الذي يتاح لنا فيه أن نرى القدرات والكفاءات الايجابية تزدهر وتتحقق، لأن النضال ليس دوما سلبيا ولأن النضال السلبي إنما تحدوه وتغذيه أحلام التحقيق في العمل.

المناضلون عندما يقبلون بمشقة النضال وتضحياته وعذاباته إنما تختلج نفوسهم وضمائرهم بأمل اليوم الذي يستطيعون هم أو رفاقهم الذين يتابعون الطريق، أن ينشئوا لأمتهم، لشعبهم، لأولادهم، المستقبل الزاهر الجدير بأمتنا وبمكانتها وبعبقريتها، ولكن بين العهود النضالية السلبية وبين عهد النضال الايجابي صلة عضوية.. الثاني، النضال الإيجابي بكل منجزاته وبكل إبداعاته ليس إلا وليد الفضائل، وليد الصمود، وليد المبدئية، وليد التجربة الإنسانية العميقة التي يكتسبها المناضل في أيام المحن والشدائد إذ يبلو نفسه ويبلو محيطه وينمو وينضج من خلال هذه التجربة ويتسلح بما يميزه عندما يستلم المسؤوليات في زمن النضال الإيجابي وفي زمن الانجازات والتحقيقات، يتسلح بالأخلاق التي تميزه عن بقية العهود وبقية الأنظمة وبقية الموظفين الذين يعملون دون مثل أعلى، ودون تجربة نضالية ودون روادع، ودون أصالة تكمن في أعماق النفس وترفع نفس المناضل كلما كادت المغريات تنال منه أو تؤثر عليه، فإذا النضال وحدة لا تتجزأ في شطرها السلبي وشطرها الإيجابي... النضال هو الحياة الحقة وأكاد أقول بأن الأساس هو ذلك الشطر، هو البداية، هو الامتحان، هو التشبع بالفكرة والمبادئ والانصهار فيها، في نار التضحية والألم... تلك الفترة هي التي تحدد شخصية المناضل ومصيره وجدارته وأصالته.

أيها الرفاق

إني أتصور دوما قضيتنا بأنها تتألف من ثلاثة عناصر(الأمة.. والحزب...والمناضل البعثي) الأمة هي الأصل والحزب وليد آلامها ومعاناتها وتشوقها وتفجر طاقاتها الكامنة، تشوقها إلى النهوض والانبعاث... والمناضل البعثي هو الذي يجسد الأمة والحزب في أفكاره وفي سلوكه وفي أخلاقه وفي مسيرته وتطوره ونضجه، وان النظرة التي انطلق منها حزبنا كانت من الأساس، من اليوم الأول تقوم على تفكير نسميه بالمصطلحات الحديثة (جدليا) هذا التصور هو تصور حي ديناميكي يقوم على التفاعل بين الفكر والواقع وعلى اضطراد هذا التفاعل بقفزات متلاحقة ليصل أخيرا إلى التحقيق الكامل... كيف تصورنا نهضتنا الحديثة، ثورتنا العربية، انبعاث أمتنا؟ انطلقنا من الحاضر عندما بدأ الحزب وفي الوقت نفسه اتجهنا وبنفس القوة ونفس الإندفاع ونفس العمق في تصورنا إلى المستقبل والى الماضي، رأينا المستقبل وصعوبة تحقيقه وبعده الشاسع عن واقعنا المتخلف. رأينا الماضي كذلك ببعده الشاسع عن واقعنا... بحثنا في الماضي عن الجديد الحي، وبحثنا في المستقبل عن الأصيل غير المصطنع، لذلك كان تصورنا تصورا جدليا ديناميكيا يقوم على تفاعل مستمر بين حاضرنا المتخلف والنازع إلى الثورة والتجدد... وبين ماضينا الأصيل الغني العريق، وبين المستقبل المبدع الذي نرجوه لأمتنا.

أقول لكم ذلك أيها الرفاق لكي نجعل من تجربتنا الثورية في هذا القطر... هذه التجربة الثمينة التي هي خلاصة تجارب الحزب، وخلاصة نضال الحزب في كل أقطاره وفي كل ماضيه والتي هي أمل الحزب وأمل الأمة لكي نجعل منها بالفعل وبالوعي وبالوضوح والتخطيط التجربة العربية التي تتسع للحزب كله في العراق وفي غير العراق من أقطار وطننا في الحاضر وفي الماضي، ولكي تتسع لتجارب الأقطار العربية حتى من خارج تجربة الحزب... أملنا وطموحنا بأن تغتني هذه التجربة وان ترتوي بدروس الماضي وعبره، ماضي الحزب، وماضي الأمة، بدروس السلبيات وبخيرات وفوائد
الايجابيات، أن تكون، وهي في جزء من الوطن وفي جزء من الزمن الذي هو الحاضر، أن تكون التجربة التي لا تجربة في مستواها، أن تصبح مركز استقطاب. لأن أمتنا وجماهير شعبنا بحاجة ماسة، بافتقار كبير، بشوق شديد إلى الضوء الهادي الذي يدل على الطريق ويتقدم الطريق، لذلك ما كنا لنطمح بأن تكون التجربة هكذا أو أن نحلم بأن تكون هكذا لو لم تكن بالفعل قد حققت شروطا كثيرة من هذا الذي نطلبه ومن هذا الذي نحلم به، فهي بمسيرتها وبإنجازاتها وبالروح التي تلهمها وتسيرها استحقت أن نضع فيها ثقتنا وأملنا، إذن لا نحلم أحلاما مجانية ولا نطلب اعتباطا وإنما على أساس متين من الواقع، هذه التجربة تجربتكم وتجربتنا جميعا جاءت بعد نكسات للحزب والأمة، ولكن أيضا كان ثمة قبل النكسات بدايات مشرقة قوية، كانت الأساس الصالح لمسيرة الحزب ولمسيرة الأمة.

أيها الرفاق

الحزب واقعي في تصوره، كان يعرف بأن النهضة العربية لا تتم بين ليلة وضحاها، في سنة أو سنوات، كان يدرك مدى التخلف ومدى التجزئة، ومدى العراقيل التي وضعها الاستعمار في طريق الأمة العربية وفي طريق نهضتها، الحزب بتفكيره العلمي لم ينشد معجزة، لم يدع الأمة إلى طفرة، لم يحلم بعملية سحر ينقلب فيه تخلفنا تقدما، وإنما بنى تفكيره وتصوره على أساس أن الطريق طويل وان علينا أن نمشي وان نحقق شيئين متناقضين في آن واحد، اختصار الزمن الذي هو ميزة الثورة، واحترام القوانين والشروط التي لا بد منها لكي تبنى الثورة، ويبنى الثوار، وتنشأ، وتنمو الفضائل النضالية وتتفاعل مع الواقع وتصبح قادرة على التأثير في الجماهير الواسعة... هذه صورة عن جدلية فكرنا البعثي بأننا مطالبون بأن نختصر الزمن، ولكن لا يجوز لنا أن نقفز من فوق المراحل الضرورية لبناء الإنسان العربي الثائر، المناضل، وبناء الحزب الثوري بكل ما يتطلبه بناؤه من فكر ومن تنظيم ومن ممارسة، ولعلكم تعرفون أو تذكرون بأنه كان يعاب علينا في الفترة الأولى من نشوء الحزب، يعاب علينا البطء وكنا نجيب بأننا نحن المستعجلون الحقيقيون لأننا نستعجل خلاص أمتنا نريد لها الخلاص الحقيقي من آلامها ومن تخلفها... لذلك لن نبني على الرمال، ولن نقبل بأن يكون سيرنا اعتباطيا وسطحيا ينهار من أول صدمة، ولن نثير في نفوس الشباب شهوة الوصول، الوصول القريب، وإنما نمتحن الصلابة والصمود وعمق الايمان وخصب الحيوية في الشباب العربي، عندما نضع له أهدافا صعبة بعيدة المنال، ولن نجمّع الناس تجميعا، وهكذا نختصر الزمن لأن الحركات الأخرى سريعا ما تنهار وتبقى حركتنا سائرة وتكسب ثباتا ونضجا مع الأيام.

أيها الرفاق

قلت لكم بأن تجربة حزبنا في هذا القطر المناضل قد أفادت من تجارب الأمة إلى حد بعيد، ولا أبالغ لأني لا أرضى لحزبنا بأن يناله الغرور، فنحن نطمح إلى المزيد من استيعاب تجربتنا في هذا القطر لتجارب الحزب كله في الماضي، ولتجارب الأمة، نطمح إلى مزيد من الاستيعاب، وعندما نذكر هذه الايجابيات التي ميزت هذه التجربة لنلق نظرة سريعة على الماضي لنرى كيف أحسنت تجربة الحزب الإفادة من التجارب السابقة للحزب، لنتذكر عام 1963 سواء في العراق أو في سوريا، لنتذكر ما طبع التجربتين في ذلك الحين في العراق من نقص رهيب في النضج وانفلات وتناحر صبياني بين القيادات ومبدئية مشوبة بالغوغائية، أما في سوريا فكانت هذه العيوب متوافرة بالإضافة إلى عيوب أخطر وأدهى، إذ كانت هناك تكتلات من خارج الحزب ادعت الانتماء إلى الحزب وتسلطت على الحزب في ظروف معروفة وأدى ذلك ليس إلى تشويه صورة الحزب فحسب، وإنما إلى عكس الصورة التي أردنا أن يكون عليها الحزب، ولقد كان الانقلاب الغادر الذي دبرته الفئة المتسلطة على الحزب في (23شباط ) كان بمعنى من المعاني إنقاذا للحزب ولمستقبله، إنقاذا لصورته في أذهان الجماهير العربية، لأنه في الساعة التي غلب فيها الحزب في سوريا بقوة السلاح نفض عن نفسه كل الجرائم والإرتباكات والتشويهات التي مورست باسمه وهو مغلوب على أمره، فكان ذلك بداية لاستعادة ثقة الشعب به... ترون أيها الرفاق بأننا إذا شعرنا بالارتياح العميق بالثقة والتفاؤل بالمستقبل، فليس ذلك عبثا بل لأننا وصلنا إلى حد لا أقول هو الكمال، وكلنا نعلم بأن طريقنا لا زالت طويلة، ولكن إلى الحد المرضي المطمئن للنفس الذي يجعل من النضال لذة للمناضل لأنه يلمس حب شعبه له في كل يوم، في كل لفتة، في كل حركة، يشعر بأنه هو وجماهير الشعب شيء واحد، جسم واحد. لم يعد ثمة مجال للتزوير على الحزب، لم يعد ثمة مجال لتسويد صفحة الحزب، هذا خير كبير... فضل كبير نستطيع أن نستند إليه لمزيد من الانطلاق والاندفاع نحو المستقبل، أن يصبح حزبنا معروفا ومشهودا له بالرصانة والنضج، لأنه يمثل الروح العربية والأخلاق العربية، هذا شيء ثمين بعد أن كانت العقلية الطفولية والثورية الطائشة تقيم سدودا بيننا وبين قلوب الشعب بتصرفات شاذة وصمت الحزب، في أحسن الأحوال، بالخفة وبالسطحية إن لم نقل أحيانا باللاأخلاقية.

أيها الرفاق

البعثيون يعرفون أن كل انجاز مهما عظم إذا بقي في حدود القطر الواحد يكون مهددا بأن يتحول إلى شيء عادي، أو مهددا بالضياع، إذا لم يكن إعدادا للعمل الوحدوي... وهذه أيضا سمة من سمات تجربتنا في هذا القطر لأننا نشعر ونؤمن ونثق بان الغاية لكل هذه الإنجازات التي تقوم إزاء هي الوحدة العربية، وان هناك وعيا وإرادة وكفاءة غير عادية تعدّ للانجاز الكبير، تعدّ شعب هذا القطر ومناضلي هذا الحزب، وجيش هذا القطر لمعركة الأمة العربية في التحرير والوحدة، لا أقول ذلك للتطمين أو التخدير، بل اعرف بأن البعثيين لا يجدون طعما للحياة ولا يعود النضال يعني شيئا مهماً بالنسبة إليهم إذا لم تكن غايته توحيد الأمة العربية وإطلاق طاقات هذه الأمة العظيمة من اجل بناء حضارة جديدة. فثقتنا وإيماننا سنمتحنهما يوميا بهذا الإعداد للمعركة الكبرى عندما يحطم البعث أصنام القطريات، كما حطم الإسلام أصنام الوثنية وأعلا كلمة التوحيد... كذلك رسالة البعث هي التوحيد والوحدة.

 

 ********

الأسئلة والأجوبة

     

  • ورد في كتابات الحزب أن حزب البعث العربي الاشتراكي حزب الطبقة العاملة، وفي كتابات أخرى أن حزب البعث حزب الطبقات الكادحة... يرجى توضيح ذلك؟

مع ان الفرق ليس كبيرا ولا جوهريا بين الطبقة العاملة والطبقات الكادحة.. أقول بأن الحزب كان دوما يتوجه إلى الجماهير الكادحة، إلى الأكثرية الساحقة من أبناء الشعب العربي، وفي كل كتابات الحزب من أول نشوئه حتى الآن، يركز على الأكثرية الساحقة التي هي من جهة تتحمل نتائج الاستغلال والظلم والغبن، ومن جهة أخرى فيها تكمن القوى الحية للأمة، فيها تكمن الطاقات والقدرات الخلاقة، التي بها، وليس بأية طبقة أخرى، تحقق الأمة العربية أهدافها الثورية.

فإذا أخذنا تعبير الطبقة العاملة حرفيا بأنها هي طبقة العمال في المدن، عندها نقول بان ليس هذا فكر البعث لأنه لا يحصر الموضوع بالطبقة العاملة، ليس هو فقط حزب العمال بل هو حزب الجماهير العربية الواسعة الكادحة التي وضعت في طريق انطلاقتها حواجز ضخمة من الاستغلال الطبقي والاستبداد والنهب الاستعماري وكل أنواع الظلم، هذه هي نظرة الحزب وفي مفهومنا.. تتناول كل الطبقات المحرومة والشعبية المظلومة سواء أكان عملها يدويا أو فكريا أو قتاليا.

     

  • يرجى توضيح مفهوم العلمانية.

أعطيت في المدة الأخيرة قبل فترة قصيرة توضيحا لمفهوم العلمانية في حزبنا، في مدرسة الإعداد الحزبي في بغداد وأحاول إيجازه الآن.

كان هناك عند ظهور الحزب مفهوم سائد للعلمانية اعتبرناه مفهوما سطحيا غير متجاوب مع روح الأمة وطموحها الحضاري... والحزب منذ بداية إعلانه عن فكرته، حاول تصحيح هذا المفهوم، العلمانية بمفهومها الذي كان رائجا في ذلك الحين، أي في بداية الأربعينات سواء في الأوساط القومية المتأثرة بالثقافة الغربية أو في الأوساط المتأثرة بالماركسية، العلمانية في ادعائهم، تعني التحرر من الدين، الإهمال لكل ما له علاقة بالدين والتراث، لكي يلتقي المواطنون على صعيد واحد أمام المفهوم القومي... أو أمام القومية أو الوطنية، وهذا كان تبريره تعدد المذاهب والأديان في وطننا العربي وفى بعض أقطاره، وأقطار المشرق بصورة خاصة لأن أقطار المغرب ليست فيها هذه المشكلة، فكنا ضد هذه النظرة... لماذا؟

نحن انطلقنا من تصور حي لواقع الأمة العربية، الأمة العربية لها ماض... لها تراث ضخم هو أثمن شيء في حياتها وهو داخل في حاضرها، مؤثر إذن في تربيتها...في تكوين شخصتها... في عواطفها وأفكارها... في آمالها وتطلعاتها. وعندما نقول للعربي تجرد من كل ذلك حتى تصبح عربيا، كأننا حكمنا عليه بالموت أو بما يشبه الموت، إذ ماذا يبقى من العربي عندما يتجرد من تراثه؟

الحزب كما تعرفون بدأ بنظرة جديدة إلى التراث هي من أهم أفكار الحزب... أنا أقولها بصراحة فيما يخصني، خلاصة أفكاري وضعتها في تلك الكلمة (ذكرى الرسول العربي) فإذن هذا شيء أساسي في نظر البعث لأن القومية العربية ليست هكذا مجردة، مجرد انتماء، مجرد مواطنين في وطن لهم حقوق وعليهم واجبات، يشتركون في مصالح وعواطف... الخ، لكن نحن إذا دققنا في العواطف سنجد بأن جماهير شعبنا لها عواطف نحو هذا التراث الذي كما قلت هو شيء حي في حياتها... وليس تاريخا تقرؤه وإنما تمارسه وتحياه. عقيدتها الدينية هي هذا التراث الضخم... عندما نقول، "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" أي رسالة هي؟ ماذا أعطى العرب أعظم من هذه الرسالة؟ ماذا يقدمون عندما تتبارى الأمم؟ الفرق هو ان حزبنا لم يكن مثل التقليديين الجامدين الذين كانوا يتوهمون بأن تكرار قراءة التراث والتغني به تجيء للعرب بالتقدم مجانا... كهبة جاهزة... هكذا.

في كتابات الحزب ولعلكم تذكرون ذلك... انطلقنا من النظرة بأن التراث لا نفهمه إلا عندما نناضل، لا نستحقه إلا عندما نعمل الثورة العربية... التراث يبقى أصم وجامدا وبلا معنى إذا لم نرتق في نضالنا وبثورتنا، ونتجدد ونقطع المراحل النضالية والثورية التي لا بد منها لنهوض أي شعب، عندها تحل أسرار التراث ويصبح مفهوما، ويصبح متفاعلا مع حياتنا ونصبح مجددين لهذا التراث ومتابعين لقيمه ومعانيه.

فالعلمانية التي تعني شطب وإلغاء كل هذا الجانب... مرفوضة، وهي سطحية وأحيانا مشبوهة، عندما تكون كذلك. ولكن نظرتنا هذه إلى التراث لم تمنعنا من القول بان المواطنين جميعا، في الدولة العربية المقبلة، متساوون في الحقوق والواجبات، لا تفريق في المذهب بين فئة وأخرى. هذا شيء.. وإعطاء التراث حقه وهو أضخم شطر في حياتنا الفكرية والعاطفية من تاريخنا ومن حاضرنا وبالتالي من مستقبلنا، هذا شيء آخر.

الحزب جاء في زمن معين، هذا الزمن الذي جاء فيه، كانت قد سبقته مرحلة من التقدم النسبي، الحزب جاء في فترة حساسة كان مطلوبا فيها أن تحدث القفزة النوعية، الارتقاء إلى مرحلة أعلى. هو لم يجئ والوطن العربي في ظلام دامس وخضوع وخنوع للاستعمار، وإنما جاء في زمن حساس جدا، كان هناك شعور عام بالحاجة العميقة للارتقاء إلى مستوى أعلى، لان الذي تحقق لم يكن كافيا، كان يطلب شيء أعلى وأعمق، هذه بداية الحزب... وهذه حقيقته... وهذا ما مثله الحزب.

في الناحية التي نحن بصددها كان هناك شعار سائد: الدين لله والوطن للجميع... وكان هذا شعارا تقدميا استطاع أن يوحد فئات الشعب وطوائفه في وجه المحتل الأجنبي. استطاع أن يحقق نوعا من الوحدة الوطنية.

التجديد الذي عمله الحزب يمكن تسميته الارتقاء من منطق التطور إلى منطق الثورة والانقلاب... الارتقاء من مفهوم الوطنية إلى مفهوم القومية، الشعار الذي كان وليد المرحلة السابقة أوجد وحدة على السطح وترك الخلافات في الباطن وفي الأعماق... أوجد وحدة في الوعي الوطني المحدود والسطحي وأبقى الخلافات في جزء كبير من العواطف والارتباطات والولاءات النفسية والفكرية. أوجد وحدة وطنية وترك المجال واسعا لتشتت وانقسام حضاري، أوجد جبهة شكلية وسطحية في وجه الاستعمار وترك مجالات عديدة لأكثر من جهة أجنبية لكي تفسد البنية الداخلية لكيان الأمة والمجتمع.

لذلك فان هذا المفهوم للعلمانية الذي كان في وقت ما خطوة تقدمية، أمسى عامل تشويه وخنق لانطلاقة الأمة على المستوى الحضاري والإنساني، وبكلمة مختصرة: كان ذلك المفهوم يسيء من ناحيتين:

الأولى: انه بحجة التقاء جميع فئات وطوائف الشعب على صعيد الوطنية، كان يطلب من الأكثرية الساحقة من الجماهير العربية -وهي مسلمة- أن تنسى أو تغفل التراث القومي... أو على الأقل أن لا يكون لقاؤها به لقاء صريحا مطلوبا وحارا، وإنما لقاء، له طابع الشيء الخاص الفئوي المتهم بالتعصب بدلا من أن يكون الغذاء الروحي والفكري والنضالي للأمة كلها...

الثانية: حرمان الطوائف الأخرى من غير المسلمين، من التراث العربي الذي هو تراثها، وبالتالي إبعادها عن تحقيق شخصيتها الكاملة، وتركها فريسة للأيدي والتوجيهات الأجنبية... ولشتى التيارات التي تستلب جزءا من شخصيتها، وترك الفجوة بينها وبين القسم الآخر والأكبر من بني قومها وشعبها تتسع مع الزمن لتصل أحيانا إلى التناقض.

فتفكير الحزب تناول المسألة القومية من الجذور التاريخية والفكرية والنفسية، واعتبر أن للعرب جميعا تراثا قوميا واحدا يشتركون فيه بصرف النظر عن العقيدة الدينية وان كان هذا التراث هو أيضا عقيدة بالنسبة إلى الأكثرية.

وعندما قلنا بان ذلك المفهوم للعلمانية كان في بعض الأحيان مشبوها، كنا نقصد أن بعض المروجين له كانوا من الاستعماريين أو أدوات الاستعمار، ويريدون من ورائه ليس لقاء الجميع على صعيد الوطنية كما كان الادعاء، بل نسيان الأمة لتراثها، يقابل هذا النسيان ترويج وتعميم للثقافة الغربية والحضارة الغربية. أي انه كان هناك عملية احتيال(2).

     

  • لقد أوضحتم في حديثكم العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل، فما هي بنظركم الأسس التي ينطلق منها المناضل البعثي لتحقيق هذا الترابط؟

ذكرت بأننا نرجع دوما إلى الأمة والحزب والمناضل البعثي... المناضل البعثي يحقق هذا الترابط إذن، عندما يحقق أو يدرك العلاقة بين حاضر الأمة وماضيها ومستقبلها، وعندما يدرك العلاقة بين حاضر الحزب وماضيه ومستقبله. بالنسبة إلى الأمة، الآن بأن الأمة العربية لا يمكن أن تنشئ مستقبلا جديرا بها، مستقبلا في مستوى عظمتها، إذا لم ترجع إلى تراثها وإذا لم تكتشف عن طريق النضال والثورة، الجديد والخالد في هذا التراث. تراثنا ليس شيئا مضى وانقضى... ليس شيئا للتاريخ وللمتحف... تراثنا هو سجل عبقرية هذه الأمة... والثورة العربية التي لا تستلهم هذا التراث مقضي عليها بالفشل... شعبنا العربي لا يتحرك ولا يؤيد ولا يندفع في النضال والتضحية إلا وراء حركة فيها نفحة الرسالة وتكون ميزتها الأولى الأخلاقية، لذلك أيها الرفاق ذكرت لكم في حديثي بأن التصور الأول للحزب كان واقعيا كل الواقعية، عندما وضع الأخلاقية كشرط أساسي.

دعوني أذكر لكم عبارة(3) قد لا أوردها حرفيا كتبت في سنة 1943 في بداية الحزب، تجعل الأخلاقية كشرط موضوعي لنجاح الثورة العربية... لنجاح ثورة الحزب... وهذا ما ميز حركتنا ليس عن الحركات الأخرى في الوطن العربي، وإنما عن الحركات الثورية في هذا العصر، نؤمن أنه بالنسبة للأمة العربية، للجماهير العربية، إذا لم يكن النضال رسالة ورسالة إنسانية بالطبع، (عندما نقول رسالة حتما هي رسالة إنسانية)، متحصنا بأخلاق الرسالة فهو فاشل، لأن هذه الأمة، امتزجت شخصيتها وكل ذرات كيانها بهذا التراث الذي هو رسالة عظمى فلم تعد تقبل ما هو دون المستوى.

فالثورة العربية إذا لم تستلهم التراث وتستلهم روح الرسالة ومستوى الرسالة فهي فاشلة.

هكذا إذن وضعنا مستوى لثورتنا كمثل أعلى قد لا نبلغه -بل يصعب جدا بلوغه- إنما شرط أساسي أن نتبناه، وأن نحاول ونسعى دوما لبلوغه وهكذا نسير إلى المستقبل بشخصية أصيلة، شخصية مستندة إلى هذا التراث، إلى هذه القيم الكبرى... القيم الإنسانية الأساسية، فلا يمكن عندها إلا أن نكون مبدعين... إلا أن تكون ثورتنا جذرية وعميقة لكي نتكافأ مع هذا المستوى، لكي نصل إلى تحقيق شخصيتنا، شخصية الأمة العربية التي أنتجت حضارة كبرى في تاريخ الإنسانية وتحن تتوق وتتحفز دوما لكي تعاود المسير ولكي تعطي هذا العطاء وبهذا المستوى للإنسانية... لا شيء يلبي حاجات الأمة العربية... والشعب العربي، إلا حركة تضع هذا الهدف مثلا أعلى لها.

هذا بالنسبة إلى تحقيق الترابط بين الماضي وحاضر الأمة ومستقبلها، وأعود وأكرر بأن فهمنا الذي تميز الحزب به هو أننا نرجع إلى التراث من خلال الثورة في الحاضر، وهكذا نبني المستقبل المبدع، المستقبل الأصيل، لا نذهب إلى التراث لينتشلنا من جمودنا... نتحرك ونثور ونناضل ونفهم العصر الحديث والحضارة الحديثة ونبذل كل جهودنا وطاقاتنا للتحرر، وعندها يبدو لنا التراث بأنه شيء خالد وشيء أصيل وأنه هو المستقبل. وعندها نبني وننشئ مستقبلا فيه خلق وإبداع.

فالتراث هو استحقاق... التراث يجب أن نرتقي لنبلغه لا أن نقعد وننتظر نزوله إلينا.

بالنسبة إلى الترابط بين ماضي الحزب وحاضره ومستقبله... أذكركم أيها الرفاق بحديث قديم... في التنظيم، عن تنظيم الفرقة... قلت هذا منذ عشرين عاما بأن مفهومنا للتنظيم هو أن العضو في الحزب ليس جزءا من الحزب وإنما هو الحزب كله، ليس "البرغي" الصغير في الآلة... ليس هو الجزء الصغير في الآلة الكبرى كلا، وإنما كل مناضل بعثي... هو حزب البعث.

لأننا لا نؤمن بتجزئة الشخصية ولا نؤمن بالتفكيك، العمل الثوري كل موحد وحاضر في أذهاننا في كل لحظة، وإنما التحقيق يتجزأ... نحقق منه الآن جزءا، وسنحقق أجزاء في المستقبل، كما حققنا أشياء في الماضي لكن هو دوما ماثل أمامنا، كذلك البعثي، شخصيته هي صورة عن الحزب بكامله وليس هو جزءا صغيرا من الحزب، بهذا المعنى... التجربة الحاضرة كما قلنا مطلوب منها أن تتسع وتستوعب تجارب الحزب كله، وبما أن المناضل البعثي هو الحزب كله، فإذن المناضل البعثي مفروض فيه ومطلوب منه أن يستوعب تجارب الحزب كلها، هذا لكي تتعمق شخصيته وتنمو نماءها الكامل وتنضج النضج اللازم.

قدرنا أيها الرفاق، هذا تصور الحزب منذ البداية... قدر الأمة العربية أن تتطور وتتقدم نحو تحقيق أهدافها... أثناء عملية انبعاثها، بأن تستفيد من النصر ومن النكسة على حد سواء، من الشيء الايجابي ومن الشيء السلبي على حد سواء، لذلك نرى عندما ننظر النظرة الشاملة بأن النكسات في تاريخ الأمة وتاريخ الحزب لم تذهب سدى... لا بل أنها كانت أحيانا ضرورية... لا تستطيع أمتنا أن تكتفي بنهضة وسطية، بنصف ثورة، لا بد لها أن تغوص إلى أعماق نفسها، والى أعماق الواقع، وأعماق النضال لتخرج أخيرا الانبعاث الحقيقي، الحضارة الجديدة. فإذن لأن أهدافها صعبة وبعيدة فلا بد أن تتناوب الانتصارات مع التوقف بين حين وآخر لمزيد من الإعداد، لمزيد من التهيئة، لإعادة النظر في أخطاء سابقة، لاستكمال نقص.

لو أخذنا وحدة 1958... الحزب فخور بأنه هو الطرف الأول والأساسي في صنعها، لم يكن يجهل أنها ستلاقي عقبات كثيرة... أن كل الشروط لم تكن مهيأة لها، لكنه كان يعرف بأنها عمل تاريخي وانجاز كبير، بأنها ستدخل الوحدة العربية وفكرة الوحدة العربية في عالم الانجاز والتحقيق بعد أن كانت مجرد أمنية وحلم.

وفشلت تجربة الوحدة وخرجت الأمة العربية بدروس وعبر كثيرة منها... لن تذهب سدى وستكون دراسة هذه التجربة بكل أخطائها وعثراتها مساعدا كبيرا على تحقيق خطوة وحدوية ناجحة في المستقبل. الحرب... حرب 1967، هزيمة 1967 إذا نظرنا إليها بعد مضي هذه السنين أعتقد بأننا نتفق على اعتبارها حتمية، حتمية الوقوع نتيجة قيام أنظمة "ثورية" غير سليمة، لأنها تحمل بذور الفساد والتناقض والانتهازية إلى غير ذلك.

والجماهير العربية لا تستطيع أن ترى هذه الأمور بتشريح وتدقيق لذلك أعطت ثقتها ومنحت تأييدها لهذه الأنظمة أو النظام الذي كان يعتبر إمام الثورية في تلك الفترة من الزمن، (نظام عبد الناصر) ولكن نحن كنا اعرف من غيرنا بما كان يشوب ذلك النظام من نقص في داخله، وكان لا بد أن يصطدم بالواقع وتنكشف نواقصه وثغراته... فحرب ونكسة 1967 كانت من جهة محتومة لأن هذا النظام الذي كان يظهر بأنه هو القوة العربية الكبرى المرتجاة للتحرير ولمحاربة الاستعمار والصهيونية ولكل شيء، في حين أنه كان في أكثره مظهرا وإعلاما في الإذاعات، فكان لابد أن ينكشف الضعف لمصلحة الأمة العربية ومصلحة مستقبلها، وعندها انفتحت مجالات واسعة لإعادة النظر، للنقد الذاتي، وفي فترة قصيرة نسبيا، سنوات معدودة حدثت فيها هذه المراجعة للنفس وأعطت زخما كبيرا وبطولات نادرة ورقيا في العلم، في الانجاز في المجال العسكري وفي الفنون وشتى المجالات. نتيجة أنه لم يعد هناك أستار كثيفة تغلف الحقائق أمام أعين الجماهير العربية، انكشفت الحقائق فوجدت الجماهير العربية نفسها أمام مسؤولياتها التاريخية، فتحركت وأعطت ما في قدرتها أن تعطي... كذلك بالنسبة للحزب هذا التناوب كان شرطا ضروريا لإنضاج الحزب، لإنضاج شخصية المناضل البعثي، ما نراه الآن هو ثمرة تلك التجارب المتعاقبة بايجابياتها وسلبياتها، ولكن كما قلنا تبقى البداية هي التي يجب أن نستلهمها للمستقبل.

البداية هي المعبر الصادق عن هوية هذا الحزب، عن هوية هذه الحركة الثورية، بداية البعث هو هذا الطموح في مستوى الأمة العربية ومستوى مكانتها التأريخية بين الأمم. لم يكن سهلا بأن نأتي منذ السنين الأولى بالكفاءات والمزايا والشروط التي تكون في مستوى هذا الطموح، مجتمعنا متخلف، مجتمعنا مجزأ، مجتمعنا فيه أمراض وعلل مزمنة، ولكن كبداية يكفي أن نضع أمام أمتنا وجماهيرها هذا الطموح، هذا الهدف وهو الذي تجاوب معها التجاوب العميق، هو الذي ارتاحت إليه نفسها، ولكن لابد من عشرات السنين، حتى تلحق الأجيال المناضلة بفكرتها، حتى تصعد إلى مستوى فكرتها. لسنا مستعجلين في الأمور الأساسية، عندما تكون المسألة مسألة ثورة عميقة أصيلة تقدم حضارة جديدة للإنسانية، يجب أن تكون نظرتنا بهذا الإتساع وبهذا النفس الطويل. فالمناضل البعثي هو الذي يفهم أولا بأن فكرته والمبادئ التي وضعت كأساس لهها والأهداف العالية التي وضعت لها، هذا هو التعبير الصحيح عن حركة البعث وعن الأماني العميقة للأمة العربية ولجماهيرها الشعبية، هذا كمثل أعلى. لا بد أن نمر بنجاحات وإخفاقات كثيرة، ثم بنجاحات ثم بإخفاقات، ثم بتوقف وأحيانا تعثر حتى تصل حركتنا إلى أن تعادل وتساوي طموحها الأول وتصورها الأول.

     

  • استخدمتم في أكثر من مناسبة تعبير (الروح) رغم أن فكرنا الثوري يعتمد العلمية ويرفض التفكير الغيبي، ألا يعتبر ذلك نوعا من الفصل بين الأداة والفكر في البعث؟

لعل فيما قدمت بعض الأجوبة على هذا السؤال، الروح في كتابات الحزب وفي تصور الحزب لا تعني أكثر مما ذكرت الآن عن هذا المستوى، هذا الاستلهام لروح الرسالة، للأخلاقية، ان تكون الثورة أخلاقية، أن تكون عميقة وجذرية وتجعل طموحها تقديم عطاء للإنسانية كلها، يدخل تغييرا أساسيا في القيم الأخلاقية للبشرية، للعالم المعاصر. ونستطيع أن نرى في صعوبة واقعنا القومي دليلا مساعدا على هذه النظرة العميقة والبعيدة. واقعنا القومي لا يشبه واقع أي أمة في هذا العصر وربما في العصور السابقة، يكفي أن نذكر اغتصاب فلسطين، زرع هذه الدولة في قلب الوطن العربي مدعومة بكل قوى الاستعمار في العالم وأكثر من الاستعمار، مدعومة بتعصب ديني عنصري، بأحلام وهواجس قديمة تؤثر بالإضافة إلى الجشع المادي من نهب الثورات ومن شهوة التوسع وغير ذلك، هذه العقبة لا تشابهها عقبة في تاريخ الأمم والتي لن تقبل بها الأمة العربية مهما كان الثمن.. تدلنا على أن نضالنا سيستمر في الصعود، وفي التعمق، في الصعود من حيث القوة والإنجاز، وفي التعمق من حيث المعنى الإنساني إلى أن تصبح الأمة العربية في مستوى العطاء الحضاري، في مستوى الرسالة، لأن استرجاع فلسطين من يد الصهيونية والاستعمار العالمي هو في الواقع إنهاء لهاتين الآفتين في العصر الحديث، لآفة الاستعمار وآفة الصهيونية، ومعنى ذلك بأن نضال الأمة العربية سيفتح عهدا جديدا للعالم كله، للإنسانية كلها، فهل يبقى ثمة اعتقاد بأن هناك تناقضا بين العلمية التي نعتمدها في فكرنا الثوري وبين هذا التصور؟ هذا التصور، أنا اعتبره علميا، اعتبره ضرورة موضوعية، وليس خيالا ولا حلما، ضرورة موضوعية لنجاح الثورة العربية ولأن الشعب العربي لا يعطي أقصى ما عنده من طاقات ثورية إلا إذا كانت ثورته بهذا المستوى.

     

  • تفضلتم بأن (كل انجاز مهما عظم إذا بقي في حدود القطر الواحد يكون مهددا بأن يتحول إلى شيء عادي، أو مهددا بالضياع إذا لم يكن إعدادا للعمل الوحدوي)، ما هو تقديركم لمدى انتشار الحزب في الوطن العربي ومستقبل تنظيماته؟

أيها الرفاق

أكتفي بالقول موضوعيا أن الحزب أنحسر عما كان عليه قبل خمسة عشر عاما، تقلص، انكمش لأن في ذلك الحين في عام 1956 حتى عام 1958 كان الحزب موجودا وبشكل جيد من القوة والانتشار في سوريا والأردن والعراق ولبنان وجزء من اليمن والكويت والبحرين وليبيا ومنظمات صغيرة في المغرب وتونس، إذن أصيب الحزب بتراجع، وما أظن المجال الآن متسعا لتحليل أسباب هذا التراجع، لكني أحب أن أذكر هذه القناعة والحزب مطالب أن يعمل بجد لإقامة تنظيمه في كل الأقطار العربية. وقد يكون هناك تقصير، ويجب أن نتلافى التقصير، هذا صحيح، ولكني أقول بأننا بمقدار ما نجعل من هذه التجربة تجربة ثورية بهذه الأوصاف التي ذكرتها وبهذا الحجم وبهذا المستوى أو بما يقرب منه نسهل انتشار الحزب في بقية أجزاء الوطن العربي. الحدود والحواجز القطرية، أيها الرفاق، لم تعد حقائق، أصبحت أشباحا وأوهاما. لكن هذه الأشباح وهذه الأوهام، محروسة ومحمية بالبنادق والمدافع التي تملكها الفئات الحاكمة لمصالحها الطبقية لا غير.

أما جماهير الشعب العربي فهي اليوم أكثر من أي وقت مضى وحدوية بأعمق معاني الكلمة. مؤمنة بالوحدة، مستعجلة لها ولكنها سجينة ومكبلة، والوحدة اليوم أصبحت حقيقة بديهية بعد القوة التي انفجرت في حرب تشرين، قوة عربية انفجرت رغم أو على غير حسابات الأنظمة، رغما عنهم، رغما عن إرادتهم، انفجرت قوة أرهبت الأنظمة وأرهبت الاستعمار والصهيونية وتآمروا عليها وخنقوها في منتصف الحرب، ولكن هذه الحرب المحدودة المبتورة كانت كافية لتهز الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج وليشعر الجميع أنهم أمة واحدة وبأنهم قادرون أن يتحولوا إلى قوة عظمى في هذا العالم لو توحدت أقطارهم في دولة عربية واحدة، هذا الشعور موجود ويقينيّ، وموجود عند الأعداء بنفس القوة أيضا، ونحن مؤمنون بأن الوحدة العربية لولا مؤامراتهم ولولا عراقيلهم التي يضعونها في طريقنا، لكانت اليوم حقيقة واقعة.

4 شباط 1967

 

(1) حديث في قيادة فرع البصرة في 4/2/1976

(2) إن الفلسفات والثقافات تأتي من الغرب وتغزو عقل العربي وتختلس ولاءه قبل ان تغتصب أرصه وسماءه. فنريد تعليما قوميا موحدا يستمد أصوله من خصائص الأمة العربية ومن روح ماضيها وحاجات مستقبلها، ويحفظ ولاء النشء للوطن العربي والقضية العربية فلا يشرك بهما وطنا آخر أو قضية أخرى.

ونريد أيضا ألا تبقى الثقافة غاية في نفسها، بل وسيلة لتقويم الأخلاق وتنشئة مناضلين في سبيل البعث العربي. إن الفروق الطائفية أبعدت قسما هاما من العرب عن روح بلادهم وتقاليدها وجعلتهم شبه غرباء في وطنهم وأضعفت بالنتيجة مساهمتهم في الحركة القومية، فنريد ان نستيقظ في المسيحيين العرب قوميتهم يقظتها التامة فيروا في الإسلام ثقافة قومية لهم يجب ان يتشبعوا بها ويحبوها، لأنه متصل بطبعهم وتاريخهم ولأنه الميدان الذي برهن العرب فيه على كفاءتهم في تسامي الروح وخصب الفكر وقوة الأخلاق، 1943 نضال البعث : ج 1 ص 28

(3) "ان استفحال الامراض التي تفتك بالامة، وعمق الآلام التي تحز في جسمها لم تعد تنجح فيهما حيلة السياسيين، مهما كانوا اذكياء بارعين، ولا بد لها من مناضلين مؤمنين يستمدون روح نضالهم واسلوبه من روح أمتهم وأخلاقها".

 

 

 

الصفحة الرئيسية للجزء الثالث