ميشيل عفلق

في سبيل البعث - الجزء الثاني


السياسة الثورية طريق التضامن العربي

 


ان الغربيين الذين يقولون عن الحرب الناشبة بين العرب والاستعمار انها من صنع ايدن وموليه، وانها بصورة خاصة نتيجة حقد شخصي من ايدن على عبد الناصر يكذبون ويغالطون. فهذه الحرب هي حرب المصالح الاستعمارية في الغرب، ولو لم يمثلها ايدن لوجد مئات غيره يقومون بالدور الذي قام به. ولكن الغربيين لا يبتعدون عن الحقيقة عندما يقولون ان هذه الحرب موجهة ضد عبد الناصر، ذلك ان ايدن وموليه ومئات السياسيين في الغرب لا يمثلون شيئاً جديداً، وليس بالتالي لأشخاصهم كبير وزن في المعركة، فكلهم ادوات لنظام قديم هو الآن في دور الاحتضار، والدفاع الاخير اليائس عن بقائه.



اما عبد الناصر فهو في شخصه ونفسيته وتفكيره والنظام الذي اوجده والاتجاه الذي اعتنقه واخلص له والقاعدة المنظمة المتينة التي ركز عليها هذا الاتجاه والتي هي نظام الحكم في مصر كنواة جبارة ومنطلق فعال لاستقطاب نضال الشعب العربي في كل مكان واجتذاب كل عناصر الخير والقوة والتقدم الكامنة والمتناثرة في هذا الشعب: ان جمال عبد الناصر هو فعلاً وبالذات موضوع وهدف لهذه المعركة الفاصلة التي يشنها الغرب الاستعماري، من خلال شخصه، على العرب وحريتهم ووحدتهم وتقدمهم.

 

فلو زال اليوم ايدن وموليه وبن غوريون لما تبدل شيء اساسي في النظام الاستعماري القائم في بريطانيا وفرنسا أو شيء أساسي في وجود اسرائيل القائم على الاغتصاب والعدوان والتحالف الدائم مع الاستعمار، ولما تبدلت بالتالي المعركة التي تقوم بيننا وبين الاستعمار واداته اسرائيل. ولكن لو زال عبد الناصر، فان ذلك سيرجع بالعرب سنين الى الوراء، الى زمن الاحتلال والتجزئة والفساد والانحلال، لان سياسة عبد الناصر الاستقلالية العربية قد رفعت قضية العرب وامكانياتهم درجات حاسمة الى فوق، ونقلتها الى المستوى الجدي الذي يفصل فصلاً حاسماً لا لبس فيه بين الاوضاع الراهنة الفاسدة التي هي سبب ضعف العرب وسيطرة الاستعمار ووجود اسرائيل، وبين الحياة والاوضاع الجديدة التي يتطلع اليها العرب والتي توفر لهم من اسباب القوة ما يكفل تحررهم ووحدتهم ونهضتهم.

 

هذا ما أدركه الاستعمار منذ البدء ومنذ ان لمس التجاوب العميق بين سياسة عبد الناصر وبين اندفاعات الشعب العربي في كل قطر. ولكن الفئات الرجعية والمتآمرة في الاقطار العربية ظلت الى ما قبل ايام تنكر هذه الحقيقة وتكابر فيها وتتجاهل القفزة التاريخية التي حققها عبد الناصر في حياة الامة العربية في هذه المرحلة، وتحاول بشتى الاساليب ان تطمس هذا الفارق الاساسي الذي يتميز به لتظهره أمام الشعب على مستوى واحد مع نوري السعيد وامثاله من الخونة وأُجراء الاستعمار، بحجة وحدة الصف العربي، وان الجميع يهدفون الى غاية واحدة وان اختلفت الاجتهادات والطرق.

 

كان هذا الى ما قبل عشرة ايام، أي قبل ان يفتح الانكليز والافرنسيون واسرائيل المعركة بعدوانهم الصارخ على مصر. وفتح المعركة قد أغلق باب التضليل، فلم يعد احد من هؤلاء الرجعيين والمتآمرين والمأجورين يجرؤ على ان يماري ويكابر في ما هو واضح كالشمس باستثناء العراق الذي يحكم شعبه بالحديد والنار.

 

اذن فالمعركة قد وضعت حداً للتضليل، وهذه اولى ثمراتها الطيبة. ولكنها لم تضع بعد حداً للتعطيل والتخريب، وهذا ما يجب ان يتم باسرع وقت ممكن دفاعاً عن حياة الوطن واهله.

 

لم يقدم الاستعمار على فتح المعركة في هذا الوقت الا لانه حسب من جهة ان التبدل الذي أحدثته الثورة في مصر لم ينفذ بعد الى الاعماق وان مقاومة مصر لن تكون جدية، ولانه حسب من جهة اخرى ان تضامن الاقطار العربية مع مصر ليس الا تضامنا بالكلام حسب المألوف. وقد بان خطأ الاستعمار في حسابه الاول عندما تحطم هجومه على صلابة المقاومة العنيدة التي تبديها مصر، ولكنه حتى الآن لم ير من جدية التضامن العربي ما يضطره الى اعادة النظر في حساباته وخططه، رغم اجماع الشعب العربي على تأييد مصر واعتبار معركتها معركة الامة العربية، ورغم ما قام به هذا الشعب من اعمال جريئة متمرداً بذلك على سياسة حكوماته للضغط على المصالح الاستعمارية. والشعور السائد الان عند الشعب العربي انه مكبوت وملجم واسير بين حكومات تدعي رسمياً ولفظياً انها مشاركة في المعركة.

 

لقد خرست الاصوات التي كانت تهوش وتضلل، ولم يبق في ارجاء الوطن العربي الا صوت واحد منسجم هو صوت الشعب، ولكن أيدي الشعب لا تزال مغلولة لا تستطيع ان تنفذّ ما يجهر به هذا الصوت، وليست هذه الأيدي مغلولة إلا لان أيدي المتآمرين والمخربين والخائفين على مصالحهم ما تزال طليقة تتحكم في مقدارت البلاد وتحول بين الشعب وبين المعركة التي هي معركة بقائه أو فنائه.

 

فالاستعمار الذي تراجع اليوم نصف تراجع قد يعود الى الغدر والعدوان بعد ساعات أو أيام أو شهور، اذا لم يحدث في العاجل ما يظهر له خطأ حسابه عندما لم يحسب لتضامن الامة العربية حساباً. ولكي يتحقق هذا التضامن فعلا يجب ان نعرف عناصره والطريق المؤدية اليه. فنحن الان في معركة، والتضامن فيها هو تضامن في النضال والتضحية، فلا يعقل ان يتحقق اذا كانت عناصره تلك الفئات التي من طبيعة مصالحها التناحر والجشع ومن طبيعة نفسيتها الحذر والهلع من مجرد ذكر النضال. فعناصر التضامن العربي هو الشعب العربي نفسه، وطريق هذا التضامن هي السياسة الثورية الصريحة التي تسمي الأشياء باسمائها وتضع الشعب امام مسؤولياته وتزيل من طريقه كل ما يعرقل نضاله أو يتآمر عليه.

 

قبل ثماني سنوات دخلت دول الجامعة العربية السبع ارض فلسطين وسببت اكبر كارثة في تاريخنا، واليوم يدخل العرب معركة اشد هولاً من معاركهم السابقة، ويشعرون مع ذلك بالقوة والعزم ويؤمنون بالنصر لانهم لم يحرصوا هذه المرة على الاجماع الكاذب، بل رفضوا ان يدخل الاختلاط والالتباس الى صفهم، ولم يخشوا من فضح الخيانة بل احرجوها حتى عزلت نفسها بنفسها. ولئن خسر الصف العربي المتحرر بذلك جهود قطر أو قطرين، فلقد ربح سلامة تكوينه وربح تأييد عشرات الملايين من الشعب العربي كانت سياسة التسويات وانصاف الحلول تترك وعيهم في الظلام ومشاركتهم في حالة الشلل.

 

وكذلك الأمر في الاوضاع الداخلية لكل قطر عربي، فاذا لم تعالج بنفس هذه السياسة الثورية حتى يُكشف التخاذل وتُخرج النفعية وتُعزل الخيانة، فان جهود الشعب في داخل كل قطر ستبقى عرضة للتعطيل والشلل، ولن يجدينا ان نعقد المؤتمرات الحكومية والاتفاقات الرسمية اذا لم يكن وراء هذا كله أوضاع سليمة تضمن صدق التنفيذ وجديته وسرعته.

 

ان السياسة الثورية هي الدواء الشافي لامراض كياننا القومي والسبيل الوحيد الصحيح لانطلاق القوى السليمة المبدعة في الشعب العربي ولتغلبها الحاسم على جميع قوى الشر والفساد في الخارج والداخل. فهذه السياسة بمواقفها الجدية الجريئة تهز وعي الشعب وشعور المسؤولية فيه الى الاعماق، وتدفعه الى التكتل والفاعلية، بينما تحرج وتفضح العناصر المتذبذبة والمتآمرة وتلجئها اما الى الخضوع واما الى تمزيق قناعها والامعان في ضلالها، فتسلم هكذا صفوف الشعب من كل دخيل ويكسب الشعب المعركة لأنه عرف قوته وعرف اعداءه.

 

9 تشرين الثاني 1956

 

 

الصفحة الرئيسية للجزء الثاني